‏إظهار الرسائل ذات التسميات الــرّقـــائـــق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الــرّقـــائـــق. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 6 فبراير 2014

رِجَــــــــــالٌ



                       رِجَـــــــــــــــــــــالٌ



مازلت أبحث في وجوه الناس عن بعض الرجال
عن عصبـــة يقفـــون في الأزمــــــات كالشم الجبال
فإذا تكلمت الشفــــــاه ســـــــــــمعـــت ميزان المقـــــــــال
وإذا تحركت الـــرجــــــــال رأيت أفعــــــــــال الــرجــــــــــــــــــال
أمــا إذا سكــــتـــــــــوا فأنظــــــــــار لـهـــــــا وقـــــــع النبــــــــــــــــــــــــــال
يسـعـــــون جَهـــدًا للعـــــلا بل دائمًــا نحـــــــــو الكمــــال
يصلــون للغــايــات لو كانت على بعــــدِ الْمُحـــال
ويحققــــــون مفـــــــاخــــــرًا كانت خيـــــــالاً في خيــــــــــــــال
يتعشّقــون المـــوت في أوســـاط ساحــــات القتـــــــــال
ويـــــرون أن الحـــــــــــــرَّ عبــــــــــــــــد إن تــــوجــــــه للضـــــــــــــلال
من لـــــي بفــــــرد منهمُ ثقـــــــــــــــة ومحمــــــــــود الخصــــــــال
من لــي به يا قــــــوم إن همـــــــومَ وجـــــــداني ثقــــــــــــــــــــــال
سيطـــول بحثي إن ســــــــــــــؤلي نــــــــادر صعب المــــــــآل
فمن الذي تحوي معًـا أوصافه هذي الخصـــــــــال
لكنَّ عـــذري أن في الدنيـــا قــليـــــلاً من رجـــــــــــــــــــــال
    
      جلس عمر رضي الله عنه يوما إلى أصحابه فقال لهم: تمنوا . فقال بعضهم : أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله وأتصدق، وقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة زبرجدا وجوهرا فأنفقه في سبيل الله وأتصدق، ثم قال عمر: تمنوا . فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين . فقال عمر: أتمنى لو أنها مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان:

والناسُ ألفٌ منهُمُ كواحدٍ **** وواحدٌ كالألفِ إنْ أمرٌ عَنَى

     فلله در أمير المؤمنين المحدث الملهم عمر رضي الله عنه، ما أحكمه وما أعظم حنكته وأدق فهمه، لم يتمن كنوزا وأموالا، لم يذهب عقله إلى الماديات إنما دار بخلده من تجبى على أيديهم الكنوز وتفتح بهم الأمصار، تمنى رضي الله عنه رجالا لكن ليسوا أي رجال، إنما رجال كالرجال الذين تخرجوا من مدرسة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إنهم أعظم الرجال، ومن الرجال من يزن مائة، ومنهم من يزن ألفا، ومنهم أمة وحده، وهؤلاء أغلى من كل معدن ثمين، وأثمن من كل جوهر نفيس، ووجودهم يعز ويندر، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال كما في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما:" إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً " بمعنى أن الرجال بمعنى الرجال وجودهم عزيز في دنيا الناس، وإن أمتنا اليوم بحاجة إلى رجال كأولئك الرجال ... رجال الجيل الأول، الجيل الفريد .

    حاصر خالد بن الوليد رضي الله عنه "الحيرة"، فطلب من أبي بكر رضي الله عنه مددًا، فما أمده إلا برجل واحد هو القعقاع بن عمرو التميمي، وقال: "لا يهزم جيش فيه مثله"، وكان يقول: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل. ولما طلب عمرو بن العاص رضي الله عنه المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فتح مصر كتب إليه: أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد .

     إننا عندما نتحدث عن الرجولة وخصال الرجولة وصفات الرجولة، لسنا نقصد ونعني بها الذكورة؛ فالذكورة صفة تقابل الأنوثة، وقد يوجد في الأمة ذكور لكنهم في حقيقة أمرهم أشباه رجال ولا رجال، لأن الرجولة صفة عظيمة وخصلة كريمة لها خصائص وصفات مدحها الشرع وأثنى على أهلها، وأمتنا ليست بحاجة إلى ذكور ليسوا برجال، وإنما حاجتها إلى من تحققت فيه الرجولة الحقّة.

    إن أمتنا بحاجة إلى رجال كأولئك الرجال الذين تسمو نفوسهم إلى معالي الأمور وتأنف سفسافها، أهل صدق في العهود ووفاء بالوعود، رجال أهل ثبات على المبادئ والقيم ورسوخ في الاستقامة على الحق:﴿ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْـــــدِيلاً ﴾[الأحزاب:23]، ﴿ رِجَـــــالٌ يُحِــــبُّـــــونَ أَنْ يَتَــــطَـــــهَّرُوا ﴾[التوبة:108]، رجال نشأوا في طاعة الله، قلوبهم معلقة بالمساجد بيوت الله:﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَـــــالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَـــــارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْــــــــرِ اللَّهِ وَإِقَــــــــامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَـــــــاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُـــلُوبُ وَالْأَبْصَـــــارُ ﴾[النور:36ـــــ37]، رجــــــــــال:﴿ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَــــــاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَــــرِيمٌ ﴾[الأنفال:2-4]، رجــــــــــال يحبهم الله ويحبونه، رضي عنهم ورضوا عنه:﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَـــــــــاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَـــــــــافُونَ لَــــــــوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ ﴾[المائدة:54]، رجال لله مخلصون، وبأمره يأتمرون، وعن نهيه ينتهون، ولنبيهم صلى الله عليه وسلم متبعون .

      إن أمتنا بحاجة إلى رجالٍ في أقوالهم، رجالٍ في أفعالهم، رجالٍ في أخلاقهم، رجالٍ في تصرّفاتهم، رجالٍ في أفكارهم وتصوراتهم، رجالٍ في شخصياتهم، فالرجولة إصلاح لا إفساد، جدٌّ لا كسل، عمل لا عجز، إيجابية لا سلبية، أمانة لا خيانة، صدق لا كذب، الرجولة عفة ونزاهة، وفضيلة وطهارة، وعزة وكرامة، ومروءة وشهامة، الرجولة لا خسة وسفاهة، ولا ذل ومهانة، ولا حمق ورذيلة، ولا خنوع وميوعة، الرجولة الحقة قول رشيد، ورأيٌ سديد، وكلمة طيبة، ونصيحة صادقة، وتعاون وتضامن، الرجولة الحقة دفاع عن التوحيد ونصر للملة وذب عن الشريعة:﴿ وَجَاء رَجُــــلٌ مّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يامُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَخْرُجْ إِنّى لَكَ مِنَ النَّـاصِحِينَ ﴾[القصص:20]، الرجولة قوة في القول، وصدع بالحق، وتحذير من المخالفة من أمر الله مع حرص وفطنة، قال تعالى:﴿ وَقَالَ رَجُــــــــــــــــلٌ مُّــــــؤْمِـــــــنٌ مّنْ ءالِ فِـــرْعَـــوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـانَــــــهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُـــــــــــــــلاً أَن يَقُـــــــــولَ رَبّــــــيَ اللَّهُ وَقَدْ جَــــــاءكُمْ بِلْبَيّنَـاتِ مِن رَّبّكُمْ ﴾[غافر:28]، الرجولة: تحملك على أن تؤدي واجبك نحو ربك، وواجبك نحو نفسك، وواجبك نحو دينك وأهلك وأمتك . الرجـــــــولـــــــــة قـــــــــوامـــــــة في البيوت وتحمل للمسؤولية:﴿ الـــــرِّجَــــالُ قَوَّامُـــــونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّـــــلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُـــــوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾[النساء:34]، ولا يقدح في رجولة الرجل أن يكون معينا لأهله ملاطفا وممازحا لهم فقد كان ذلك دأبه صلى الله عليه وسلم، ولكن الذي يقدح في رجولة الرجل انعدام غيرته على أهله فيما يحفظ لهم حشمتهم وعفتهم وحجابهم وسترهم، وحياءهم وطهارتهم، فالرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، وما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة كما جاء في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم.

الجمعة، 11 أكتوبر 2013

يوم عرفة


يَــــــــومُ عَـــــــرَفَــــــــــةَ




              هناك وقد كادت الشمس أن تَؤُوبَ؛ على صعيد عرفات وقف صلى الله عليه وسلم فقال لبلال رضي الله عنه : " يَا بِلَالُ أَنْصِتِ لِيَ النَّاسَ " فَقَامَ بِلَالٌ فَقَالَ : أَنْصِتُوا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْصَتَ النَّاسُ، فَقَالَ :" مَعْشَرَ النَّاسِ : أَتَانِيْ جِبْرَائِيْلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ آنِفاً فَأَقْرَأَنِيْ مِنْ رَبِّيَ السَّلَامَ، وَقَالَ : إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ المَشْعَرِ، وَضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ " فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ! هَذَا لَنَا خَاصَّةً ؟ قَالَ : " هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ " فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : كَثُرَ خَيْرُ اللهِ وَطَابَ . صححه الألباني رحمه الله، وعند ابن ماجه وصححه الألباني رحمه الله أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال:" يَا بِلَالُ أَسْكِتِ النَّاسَ أَوْ أَنْصِتِ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ فِي جَمْعِكُمْ هَذَا فَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ؛ ادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّهِ "، إنه اليوم الأغر الأزهر، يوم عرفة، يوم سكب العبرات، وإقالة العثرات، وتنزل الرحمات، ورفع الدرجات، وحط الخطيئات، وغفران السيئات .

       يوم عرفة يوم عظيم عظمه الله فأقسم به في كتابه فقال سبحانه:{وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}[الفجر:1ـــــ3] قال ابن عباس رضي الله عنهما : الليالي العشر عشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة . ومن قسم الله به قوله سبحانه:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}[البروج:1ــــ3] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ : يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، وَالْمَشْهُودُ : يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَالشَّاهِدُ : يَوْمُ الْجُمُعَةِ " .

       يوم عرفة يوم أكمل الله لنا فيه الدين وأتم علينا فيه النعمة، ففي الصحيحين عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ ؟ قَالَ:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيْ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}. قَالَ عُمَرُ : قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ .

       يوم عرفة موسم عظيم، ومشهد فضل عميم، ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رئي يوم بدر، يوم عرفة تعتق فيه الرقاب من النار وتتنزل فيه رحمات العزيز الغفار فعند مسلم في صحيحه قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" مَا مِنْ يَومٍ أَكَثْرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيْهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يَومِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيْدُنُو ثُمَّ يُبَاهِيْ بِهِمُ المَلَائِكَةَ فَيَقُولُ : مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ  ؟ " . يدنو سبحانه من عباده دُنُوّاً يليق بجلاله وكماله وعظيم سلطانه، فهو سبحانه يقرب من عباده الصالحين الذين يتقربون إليه بطاعته وفعل مرضاته .

       يوم عرفة يوم الرغبة والرجاء، يوم التذلل والدعاء، عند الترمذي وحسنه الألباني عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " إنه يوم عرفة يوم تلهج فيه الألسنة بالأذكار والأدعية، تضرع وبكاء، وابتهال ودعاء، تسبيح وتبجيل، وتكبير وتهليل، اختلفت الأجناس، وتباينت اللغات، وتنوعت اللهجات، الأسود والأبيض، والأحمر والأشقر، الإفريقي والأوربي، والآسيوي والأمريكي، العربي والإنجليزي، والباكستاني والأفغاني، والهندي والتركماني، كلهم يدعون ربا واحدا، ويسألون إلها واحدا، وهو سبحانه يجيب كل سائل عما سأل، ويعطي كل طالب ما طلب، فسبحانك ربي ما أجلك وأعظمك، وسبحانك ما أحلمك وأرحمك، وسبحانك ما أجودك وأكرمك .

       يوم عرفة اجتماع الحجيج فيه على صعيد واحد في مشهد عظيم، وموقف مهيب، بلباس واحد، الحاكم والمحكوم والأمير، والغني والفقير، فلا طبقية ولا مناطقية، ولا عرقية ولا قومية، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، كل ذلك مشعر بأخوة الإيمان، ورابطة الإسلام، وهو مذكر بيوم الرجوع إلى الله يوم الحساب ولا عمل، اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

       يوم عرفة خطب صلى الله عليه وسلم فيه فكان فيما قال:" إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ؛ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِى بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ؛ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ . فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ . وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّيْ فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ . فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ:" اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ". ثَلاَثَ مَرَّاتٍ .

       يوم عرفة الوقوف به ركن الحج الأعظم فالحج عرفة كما صح من قوله صلى الله عليه وسلم، وصيام يوم عرفة يكفر سنتين سنة ماضية وسنة مستقبلة كما جاء عند مسلم في صحيحه من أبي قتادة رضي الله عنه، فاحرصوا على صيامه، وأكثروا فيه من الدعاء والاستغفار .

       جعلنا الله ممن عتق فيه رقابهم من النار، وغفر لهم ورحمهم إنه العزيز الغفار، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين .

الجمعة، 16 أغسطس 2013

عبر من الأحداث



عِبَرٌ مِنَ الأَحْدَاثِ
   



       
       أحداث جسام نازلة بأمة الإسلام، فتن كقطع الليل المظلم، فتن تدع الحليم حيرانا، فتن أخبر عن وقوعها صلى الله عليه وسلم، اجتماع على أمة الإسلام من الشرق والغرب، من الداخل والخارج، فأصبحت كقصعة تداع عليها الأكلة كما قال صلى الله عليه وسلم:" يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا . فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ "، وهذه الفتن المدلهمة والخطوب الجسيمة إنما لتصفي من السيل زبده، ليبقى في الأرض ما ينتفع به الناس، وأما زبده فيذهب جفاء كما أخبر ربنا تبارك وتعالى:{ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ }، هذه الأحداث العظيمة التي أنزلت بأمة الإسلام وأثقلت كاهلها، إنما هي تمحيص ليميز الله بها الخبيث من الطيب، فكم في هذه الأحداث قد انكسرت أقنعة، وتقشعت عن وجوه أغطية، كانت الأمة تظن بأصحابها خيرا، وتؤمل فيهم نفعا، فبانت على حقيقتها، وظهر خبثها وانكشف عوارها وعداوتها، والمسلم في خضم هذه الأحداث لربما عاش في تيه وعاش في حيرة وهو يقول: أولسنا المسلمين ؟ أو لسنا الذين نقول لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه ؟ لماذا يحصل هذا ؟ وإلى متى سيظل هذا ؟ ومتى سيأتي نصر الله ؟ ويحل وعد الله ؟ ولتعلم عبد الله أن هذه الأحداث فيها لله حكم جليلة ، ولنا فيها عبر عظيمة ، وفوائد جمة :

أولها : أن ما قضي كان، وما سطر منتظر : فالله جل وعلا كل شيء عنده بمقدار، في حديث ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه والنبي صلى الله عليه وسلم يربيه وهو غلام، ويعلمه وهو فتى صغير، يأخذ بأذنه يفركها ويقول له :" يَا غُلامُ ، إنِّي أعلّمُكَ كَلِمَاتٍ " كان من بين تلك الكلمات :" وَاعْلَمْ : أنَّ مَا أَخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبكَ ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ "، فالله عز وجل هو الذي قضي ويقدر، وهو الذي يأمر وينهى، ولا غالب لأمره، ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه سبحانه جل في علاه .
       
       ومن عبر هذه الأحداث أن ما حدث ويحدث إنما حدث ويحدث بعلم الله، ووفق حكمة الله، فالله جل وعلا في كل قضاء له حكمة، وفي كل فعل وأمر له حكمة، علم ذلك من علم، وجهل ذلك من جهل، والعبد إنما يستسلم لله، وينقاد لأمر الله، ويعلم أن ما أصابه إنما هو من الله، وإن كان بسبب من نفسه .

       ومن عبر هذه الأحداث، أن الله عز وجل يريد بها أن تقطع أمة الإسلام علائقها وأسبابها بغير سببه جل علاه، وتخلص لما يعلقها به وحده سبحانه، فالسبب المنجي إنما هو سبب الله، السبب الذي يوصلنا بالله، والحبل الذي يعلقنا بالله، العلائق كلها التي تكون بغير الله نقطعها، والأسباب التي توصلنا بالله نبترها، هذه الخطوب والأحداث هذه من أجل عبرها وأعظم فوائدها، تربي النفوس، وتطهر الضمائر، فتربطها بالله جل في علاه، الذي لا يجيب المضطر سواه، ولا يكشف الكرب غيره جل في علاه:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} .

إليه وإلا لا تشد الركائب *** وعنه وإلا فالمحدث كاذب
وفيه وإلا فالغـــــرام مضيع *** ومنه وإلا فالمؤمـــل خـــــائب

فالمؤمل لا يؤمل إلا في الله، ولا يرفع أكفه إلا إلى الله، رضا بقضاء الله، وتسليما لقدر الله، إبراهيم عليه السلام يلقى في النار بالمنجنيق، حينها إلى من رفع أكفه ؟ بين يدي من بسط يديه ؟ أتاه جبريل عليه السلام وهو يقول له: يا إبراهيم يا خليل الله ألك حاجة ؟ فيقول إبراهيم عليه السلام: بعزة الموحد لله، وبثقة المؤمن بنصر الله، لأن نفسه مربوطة بالله، وقلبه معلق بالله، وكل سبب غير سبب الله قطع عند إبراهيم عليه السلام، فلم يبق إلا ما اتصل بالله، قال إبراهيم عليه السلام: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم: حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل، ونحن نقولها في زمن تكالبت علينا الأعداء داخليا وخارجيا: حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.

       ومن عبر وفوائد هذه الأحداث العظيمة التي هزت الأمة أن النصر عباد الله قريب وإن تأخر، النصر وعد من الله للمؤمنين متحقق في واقع الحياة لا نشك في ذلك وإن تأخر عن حساب البشر جميعا، لأن الله جل وعلا قد وعد، ووعده لا يتخلف سبحانه وتعالى:{وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، رسول الله صلى الله عليه وسلم يكاد له ليخرج من مكة، بل ليقتل عليه الصلاة والسلام، يأتيه الوحي من الله أن الملأ اجتمعوا ليمكروا بك:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، لجأ إلى الغار صلى الله عليه وسلم، ومن يظن أن في الغار فرجا، ومن يظن أن الغار الضيق سعة، ومن يظن أن في كنف هذا الغار نصرا مبينا، وفتحا قريبا، يخرج به محمد صلى الله عليه وسلم لتتبعه الأمة، وينتشر دينه حتى يصل الصين شرقا، والمحيط الإطلنطي غربا، يجتمع كفار قريش على فوهة الغار، وأبو بكر رضي الله عنه ينظر إلى أقدامهم ويقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا، ورسول الله قلبه معلق بالله، وهو يقول لأبي بكر في ثقة بالله: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا، كم نحن في حاجة إلى أن نستشعر هذه المعاني العظيمة، لا تحزن إن الله معنا، والله الذي لا إله غيره لو اجتمعت قريش بأسرها وتبعها سائر الأحياء، بل وخرج الأموات من قبورهم يجرون أكفانهم خلف ذيولهم يريدون النيل من محمد صلى الله عليه وسلم حينها لما استطاعوا، لأن كان ثالث اثنين إنما هو الله جل في علاه .

       ومن عبر هذه الأحداث أن من كان مع الله وكان الله معه فمما يخاف ؟ من كان معه القوي فمما يخاف، من كان معه الغني مما يخاف ؟ من كان معه الجبار القوي المتكبر المتين مما يخاف ؟
ومن عبر هذه الأحداث وفوائدها عباد الله أن هذه الأحداث عرفتنا بحقيقة أنفسنا، وما أصابنا إنما هو بسبب من أنفسنا، { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }، { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}،{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، توبة إلى الله، ورجوعا إلى الله، وإنابة إلى الله، استكانة لله، وتذللا لله، وتضرعا لله، وخضوعا لله، وانطراحا بين يدي الله، حينها ينصرنا الله، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، النصر من الله وعد للمؤمنين، قد تنزل الملائكة مؤيدة للمؤمنين، وتهب الرياح العواتي، جندا من الله تأييدا للمؤمنين، غير أن النصر من الله لا يكون إلا للمؤمنين، وبالمؤمنين، { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .
   
     واجب علينا عباد الله أن نعود إلى الله وأن نتوب إليه، وأن يتجرد الواحد منا لله، ويقطع علائقه جميعها إلا بالله، عل الله أن يرفع هذا البلاء الذي حل بالأمة، وهذه الأحداث المؤلمة والخطوب الجسيمة، { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ }، فلا ملجأ لنا من الله إلا إلى الله .

الاثنين، 8 يوليو 2013

يا باغي الخير أقبل




يا باغي الخير أقبل



أتى رمضــان مــــزرعــــة العبــــــــاد  ****  وتطهير القــــلوب مــــن الفســـــاد
فـــــأد حقــــــوقـــــه قــــــولا وفعـــــــلا  ****  وزادك فـــــاتــــخـــــــــذه للــــمـــــعـــــــــاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها  ****  تــــــــأوه نـــــــــادمــــــــــا يــــوم الحصـــــاد
      
     يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر؛  جاء شهر النور والبركات، أقبل شهر الخشوع والطاعات، أشرف شهر النصر والمكرمات، أتى شهر الفتوحات والذكريات، فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر . 

مرحبــــــا أهـــــلا وسهلا بالصـيـام  ****  يـــا حبيبـــــــا زارنــــــــــــــا في كل عـــــــــــام
قــــــــــد لـقينـــــــــاك بـــــــحــب مفعــــم  ****  كل حب في ما سوى المولى حرام
فاغفـــــــــــــر اللـــهم منــــــــــا ذنبنــــــــا  ****  ثــم زدنــــــــــا مــن عطـايــاك الجســـــــــــــام
 
       يا باغي الخير أقبل لقد تفتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين، كل ذلك في أول ليلة من ليالي رمضان .
      يا باغي الخير أقبل؛ فقد أقبل ربيع الطائعين، وموسم التائبين، ورياض المستغفرين، وجنة الصالحين، لقد تاقت إليه نفوس المؤمنين، وفرحت بقدومه قلوب المخلصين، واشتاقت إلى لياليه دموع المتهجدين .
        يا باغي الخير أقبل " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيْمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "، و " مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيْمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ  "، و " مَنْ قَامَ لَيْلَةِ القَدْرِ إِيْمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " .
      يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، يا من تريد سعادة الدنيا والآخرة أقبل، يا من تطمح في رضوان الله أقبل، يا من ترجو ما عند الله أقبل، يا من تسعى إلى جنة عرضها السماوات والأرض أقبل، يا من تريد العتق من النيران أقبل .
      يا باغي الخير أقبل، يا من قصرت في حق ربك أقبل، يا من أعرض عن الله أقبل، يا تاركا للصلاة أقبل، يا عاقا لوالديه، يا قاطعا لأرحامه أقبل، يا من أذنب، يا من أخطأ، أقبل على الله فيقبلك الله، ويعتق رقبتك من النار، فربك حيي ستير جواد كريم، يحب من عبده أن يتوب فيتوب عليه .  
      يا باغي الخير أقبل " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا "، يا باغي الخير أقبل؛ لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرت الله غفر لك على ما كان منك ولا يبالي سبحانه جل في علاه؛ كرما ومنة وفضلا؛ جعلنا الله أهلا لفضله وكرمه .
     ونحن نعايش ربيع الثورات والانتفاضات ها هو ذا شهر الثورة والانتفاضة على النفس والهوى والشيطان قد أقبل فيا باغي الخير أقبل، لتتحرر الروح من قيود الشهوات والذنوب، فتسمو إلى باريها، فالإنسان بروحه لا بجسمه، وعزه وشرفه وسعادته في تعلق روحه بالله، واتصالها وأنسها به لا بسواه .

يا خـادم الجسـم كم تشقى لخـدمتــه  ****  أتعبت نفسـك فيما فيه خسـران
أقبل على الـــروح واستكمل فضائلها **** فأنت بالروح لا بالجسم إنســـــــان
   
     يا باغي الخير أقبل؛ آن أوان أن تسكب العبرات، وتقال العثرات، وتكفر الذنوب والسيئات، فقد أقبل شهر الرحمة والرضوان، والمغفرة والإحسان، والعتق من النيران .
     يا باغي الخير أقبل:" مَنْ لَمْ يَدَعْ قَولَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِيْ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " .
     يا باغي الخير أقبل فإن لله سبحانه عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة من ليالي رمضان، جعلنا الله وإياكم ممن يعتق رقابهم من النار، إنه سميع قريب مجيب . 

الجمعة، 10 أغسطس 2012

العشر الأواخر



العَشْرُ الأَوَاخِرُ



      ما أسرع مرور الأيام وانقضائها، وما أخف مضي الشهور وانتهائها، نستقبل وجه النهار فإذا بنا قد غربت شمسه، ونستبشر بمطلع الشهر فإذا بنا في آخره، وينقضي العام ونحن في غمرة استقباله !! لم نشعر إلا وقد أتى على تمامه !! ها هو ذا رمضان بالأمس استقبلناه واليوم نودعه، انقضى شهر الفضل والإحسان، شهر الرحمة والرضوان، شهر العفو والغفران، انقضى في لمح البصر، وسرعة البرق، انقضى رمضان ...

     ولكن قد بقيت في هذا الشهر بقية، بقيت أفضل أيامه، وأجل لياليه، إنها العشر الأواخر، وقد دخلت وولجنا فيها، هذه العشر الباب فيها للإقبال مُشْرَعٌ مفتوح، والخير يغدو ويروح، إنها فرصة للإقبال واستدراك ما فات، فقد يسبق المتأخر المتقدم ويكفر عما فات، أما آن لنا أن نستيقظ من سبات الغفلة، أما آن لنا أن نصحو من رقدة الهوى .

جرت السنون وقد مضى العمر *** والقلـب لا شكـــرٌ ولا ذكــــرُ
والغفـلـــةُ الصمَّــاء شــاهـــــرةٌ *** سيفــاً بـه يتصـــرَّم العُـمُــــرُ
حتـى متى يا قلـب تغـــرق فـي *** لجـج الهـوى، إن الهوى بحـرُ
هـــا قـــد حبــــاك الله مغفــــرةً *** طـرقـت رحابَــك هذه العشـرُ

      ها نحن ننيخ مطايانا بين يدَي هذه العَشر الأيام العظيمة، والليالي الفاضلة الكريمة، إنها عشر جميمة بالخيرات، وعميمة بالمكرمات، الدنيا كل الدنيا عمها ضياؤها، وغمرها بهاؤها وسناؤها، القلوب المغرمة بها حدا بها الشوق إليها، وقادها الحب إلى اغتنماها والاجتهاد فيها، فاكتست بذلك من أنوارها، ومسها طيب نفحاتها وأسرارها، إنها العشر التي جرَت فيها أنهار الطاعاتِ، وتفتّقت أزهارها عن أكمام المنح والبركات، أيامُها مترعة بالبر والقرُبات، ولياليها بالاستغفار وتلاوة القرآن منيرات . 
   
     إنها العشر الأواخر أخي الكريم؛ فيها تعظم النفحات، وتتنزل الرحمات، وتكثر الخيرات، وتعم البركات جعلنا الله ممن نال تلك البركات والخيرات والرحمات والنفحات وحظي بها .
    
              عشـرٌ وبـالحسنات كفُّــكِ تزخـــرُ *** والكــون في لألاءِ حُسنـــكِ مُبْحِــرُ
هتفت للقيــاكِ النفـــوسُ وأسرعت *** مـن حــوبـهــا بدمـوعهــا تستغفـــرُ   

      العشر الأواخر تقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كما في الصحيحين كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت شدّ مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله صلى الله عليه وسلم، وعند مسلم في صحيحه عنها رضي الله عنها قالت: لقد كان صلى الله عليه وسلم يجتهِد في رمضانَ ما لا يجتهِدُ في غيره، ويجتهد في العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيرها، يجتهد في العبادة، وينشغل بالطاعة، ويتخلى عن الدنيا وملذاتها، ونسائها، وشهواتها . 

     العشر الأواخر فيها أفضل ليالي الدنيا، فيها الليلة الشريفة الجليلة العظيمة؛ إنها الليلة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحريها، إنها ليلة القدر، في الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" تَحَرُّوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِيْ الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ "؛ وفي الصحيحين أيضا قال صلى الله عليه وسلم:" مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيْمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " . إنها ليلة الشرف والقدر:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، إنها الليلة التي من حرم خيرها فهو المحروم، ومن حاز خيرها فهو المرحوم جعلنا الله من عباده المرحومين .

     العشر الأواخر يشرع فيها الاعتكاف، فقد اعتكف صلى الله عليه وسلم يلتمس ليلة القدر ويتحرّاها، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، والاعتكاف لزوم المسجد الجامع للتفرغ للعبادة، ينقطع المعتكف عما سوى الله ويأنس بالله، ينصرف عن غير الله إلى الله، يعيش المعتكف أجمل اللحظات، وأغلى الساعات لأنه في راحة ما بعدها راحة، ويعيش سعادة لا تعدلها سعادة:{الَّذِيْنَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قَلَوبُهُمْ بِذْكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القَلَوبُ}، من وجد الله ماذا فقد، ومن فقد الله ماذا وجد .

     العشر الأواخر فيها ينتصب عباد الله المتقون بين يدي الله إليه راغبون، وفيه يؤملون، ولما عنده يطلبون، نهارهم تلاوة للقرآن وصيام، وليلهم استغفار وقيام، لقد جنوا الثمرة من صيامهم قبل أن يكتمل شهرهم، إنها التقوى عباد الله التي يفعل المرء معها الطاعة على نور من الله يرجو ثواب الله، ويترك المعصية على نور من الله يخاف عقاب الله، قال الله سبحانه:{إِنَّ المُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُم رَبُّهُم إِنَّهُم كَانُوا قَبلَ ذَلِكَ مُحسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيلِ مَا يَهجَعُونَ * وَبِالأَسحَارِ هُم يَستَغفِرُونَ * وَفي أَموَالِهِم حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالمَحرُومِ} .

عشــرٌ حباهـا إِله العـــرش مكرمـةً *** فيرحــم الله من ضــاقت به السُبــلُ

هو الرؤوف بنا هل خــاب ذو أمـل *** يدعـو رحيمًا بقلـب ذلَّــه الخجــــلُ


     العشر الأواخر فيها تقال عثرات، وتستجاب دعوات، فيها تجليات ونفحات، ومنح وأعطيات، فحري بنا أن نغتنمها ونحن المقصرون، وجدير بنا أن نشمر فيها بالأعمال الصالحة ونحن المذنبون، نقبل على ربنا ليغفر لنا، ويعتق رقابنا، فأين المتسابقون والمتنافسون والمشمرون .

     إنها والله لنعمة كبرى ومنحة عظمى أن مَنَّ الله وتفضَل علينا، بأن مدَّ في أعمارنا، حتى بلغنا هذه الشهر العظيم، ومنَّ علينا أخرى بأن بلغنا العشر الأواخر منه، وإن من تمام شكرنا لهذه النعمة أن نحمد الله تبارك وتعالى وأن نغتنم هذه الأيام الفاضلة بالأعمال الصالحة، نغتنمها بفعل ما يقربنا من الله سبحانه .

     فيا أيها الحبيب: جِدَّ في العمل، وأرِ اللهَ من نفسِك خيرًا، فإنَّ شَهركَ أوشكَ على الرحيل، فإن كنت ممّنْ أحسنَ فعليك بالتَّمام، وإن كنت ممَّن فرَّطَ فعليك أن تخْتِمَ بالحسنى، فالأعمال بالخواتيم، والعبرة بتمام النهايات لا بنقص البدايات، فالله الله أخي في اللهِ شمّر عن ساعد الجد، ومن عزيمتك فشد، فأيامُك هذه نفيسة غالية، كريمة فاضلة، ساعاتها ودقائقها، لحظاتها وثوانيها، هل تصدِّق أنَّ الدقيقةَ في ليلةِ القدرِ تُسَاوِي سبعة وأربعينَ يوماً ؟ فجدَّ لتلحق بالسابقين، وشمّر لتدرك الجادّين، وسارع لتسبق المتنافسين، واحذر أن ترضى لنفسك بالدّون، فتندم في ساعة لا ينفع فيها ندم، ويا حسرة مَن عمرت لياليه وأيامه بما لا يقربه من ربه ومولاه، وانقضى عمره ولسان حاله ما ذكر الله:{أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} .

ترحــل الشهــرُ والَهْفَــاهُ وانصرمـا *** واختص بالفوز بالجنات من خدما
وأصبـح الغـافـل المسكيـن منكسـراً *** مثلي فيـا ويحه يا عظـم ما حُـرِمـا
من فـاته الزرع في وقت البذار فما *** تـــراه يحصــد إلا الهــمَّ والنّـدمــا
طوبى لمن كانت التقـوى بضـاعتـه *** في شهـــره وبحبــل الله معتصمـا

     نسأل الله العفو والغفران، والرحمة والرضوان، والعتق من النيران، إنه الرحيم الرحمن، الكريم المنان .