الاثنين، 24 يونيو 2013

سلسلة الإعلام بأحكام الصيام



الدرس الثالث

مسائل مهمة قبل دخول رمضان


المسألة الأولى : قضاء رمضان الماضي : من كان عليه قضاء أيام من رمضان الماضي لزمه المبادرة والمسارعة في قضائها قبل دخول رمضان القادم، فتأخيرها إلى ما بعد رمضان تسويفا وتهاونا من غير عذر ليس من تعظيم أمر الله تبارك وتعالى، ولذا إذا أخرها حتى دخل رمضان فهو آثم وعليه بعد رمضان المبادرة في قضائها، ويلزمه مع القضاء الإطعام عن كل يوم مسكينا، وهو مذهب جمهور العلماء .


المسألة الثانية : الصيام قبل رمضان : من كانت له عادة في الصيام كصيام يوم وإفطار يوم، أو صيام الاثنين والخميس ونحو ذلك أو كان عليه نذر أو قضاء فهذا يجوز له أن يصوم من أول شعبان ووسطه وآخره، والإكثار من التطوع في شهر شعبان مستحب ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيْلاً، ولكن ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فيما صححه الألباني:" إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوْا "، والنهي هنا إما للكراهة أو التحريم وهو في حق من تعمد الصوم بعد النصف ولم تكن له عادة في الصيام، ولم يكن عليه نذر أو قضاء وأراد أن يتطوع بعد دخول النصف ولم يوصل صيام ما بعد النصف بما قبله، أما من كانت له عادة في الصيام، أو عليه نذر أو قضاء، أو وصل الصوم بعد النصف بما قبله فلا يشمله النهي، ومما يدل على ذلك الحديث المتفق عليه:" لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ "، وهو دليل أيضا على النهي عن الصيام قبل رمضان احتياطا لرمضان لئلا يزاد في رمضان ما ليس منه، وليفصل بين صيام الفرض والنفل.

الأحد، 23 يونيو 2013

سلسلة الإعلام بأحكام الصيام



الدرس الثاني


ثبوت رمضان وشروط وجوبه وصحته وأركان صيامه


ثبوت الشهر : يثبت شهر رمضان برؤية شاهد عدل، وكذلك بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما لقوله صلى الله عليه وسلم:" صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ "، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما : تراءى الناسُ الهلالَ، تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ . رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني .

شروط وجوب رمضان : بمعنى من الذي يجب عليه صيام رمضان ؟ يجب صيام رمضان أداء على كل من جمع أوصافا ستة هي:
الأول : الإسلام : فلا يجب الصوم على الكافر لكنه مطالب به محاسب عليه في الآخرة؛ لأنه مخاطب بفروع الشريعة، محاسب عليها كما هو محاسب على ترك أصل الإسلام، فإذا أسلم الكافر الأصلي في أثناء الشهر عليه صيام ما بقي من الشهر إجماعا، ولا يلزمه قضاء ما مضى من أيام الشهر باتفاق الأئمة الأربعة، وأما ما فاته من الصوم زمن كفره فلا قضاء عليه إجماعا؛ وكذلك الكافر المرتد ليس عليه قضاء ما تركه من الصوم زمن ردته وهو قول الجمهور، أما ما عليه من الصوم قبل ردته فعليه قضاؤه وهو قول الجمهور، وذهب المالكية إلى أنه لا قضاء عليه .
الثاني : البلوغ : فالصبي لا يجب عليه الصوم حتى يبلغ إجماعا، ففي مسند أحمد قوله صلى الله عليه وسلم وصححه الرنؤوط والألباني:" رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمُصَابِ حَتَّى يُكْشَفَ عَنْهُ "، إلا أنه إذا كان يطيق الصوم قبل البلوغ ولا ضرر عليه فيه فعلى وليه أن يأمره بالصوم ليتعوده؛ وهو قول الجمهور، فإذا بلغ الصبي أثناء شهر رمضان فإنه يصوم بقية الشهر ولا قضاء عليه لما سبق، وهو قول جماهير أهل العلم،وإن بلغ أثناء نهار رمضان يمسك بقية يومه ولا قضاء عليه وهو مذهب الشافعية واختيار ابن تيمية . 
الثالث : العقل : فلا يجب الصوم على المجنون لزوال عقله، إجماعا، فإذا أفاق المجنون أثناء الشهر  صام بقية الشهر ولا قضاء عليه لما سبق وهو مذهب جماهير أهل العلم، وكذا إن أفاق أثناء النهار أمسك بقية اليوم ولا قضاء عليه وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد اختارها ابن تيمية، ومن كان يجن أحيانا ويفيق أحيانا يجب عليه الصوم حال إفاقته ويسقط عنه حال جنونه؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما .
الرابع : القدرة : فلا يجب الصوم على العاجز عنه لقوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}، ونقل الإجماع على ذلك ابن تيمية وغيره .
الخامس : الإقامة : فلا يجب الصوم على المسافر أداء إجماعا، فقد رخص له الشارع في الفطر وإنما يجب عليه قضاءً لما أفطر في أيام أخر، قال سبحانه:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيْضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .
السادس : الطهارة من الحيض والنفاس : فلا يجب الصوم فرضا أو نفلا على الحائض والنفساء أداء إجماعا، وإنما يجب عليهما قضاء لما أفطرتا في أيام أخر إجماعا، ففي الحديث المتفق عليه عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقَلتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ, وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ, وَلَكِنِّي أَسْأَلُ . فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ, فَنُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ, وَلا نُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ . 

شروط صحة رمضان : بمعنى من الذي يصح منه صيام رمضان ؟ يصح رمضان من كل من جمع أوصافا أربعة هي: 
أولا : الإسلام : فلا يجب الصوم على الكافر ولا يصح منه إذا صام لأنه ليس من أهل العبادة، وكل عمل مع الكفر محبط؛ قال الله سبحانه:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} قال ابن كثير رحمه الله: وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل. فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا، فتكون أبعد من القبول حينئذ، انتهى . وفي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ ؟ قَالَ:" لاَ يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِيْ خَطِيئَتِيْ يَوْمَ الدِّينِ " .
ثانيا : العقل : لا يجب الصوم على المجنون ولا يصح منه لانعدام أهلية العبادة، ففي مسند أحمد وصححه الأرنؤوط والألباني قال صلى الله عليه وسلم:" رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَعْتُوهِ أَوْ قَالَ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَشِبَّ " .
ثالثا : التمييز : لا يجب الصوم على الصبي حتى يبلغ ولا يصح منه حتى يميّز لعدم علمه بمقصد العبادة ومعناها . 
رابعا : الطهارة من الحيض والنفاس : فالمرأة الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصوم أداء بل يحرم عليهما الصوم فرضا أو نفلا إجماعا، ولا يصح منهما إذا صامتا، وعليهما القضاء إجماعا، وفي الحديث المتفق عليه عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقَلتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ, وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ, وَلَكِنِّي أَسْأَلُ . فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ, فَنُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ, وَلا نُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ .

أركان صيام رمضان : لصيام رمضان ثلاثة أركان هي :

الأول : النية : وهي القصد؛ ومحلها القلب لقوله صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنيات ".
الثاني : الإمساك عن جميع المفطرات : يجب على الصائم الامتناع عن كل ما يبطل صومه من الأكل والشرب والجماع وجميع المفطرات .
الثالث : استيعاب زمن الإمساك : ويبدأ زمن الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر الثاني، وينتهي بغروب الشمس  .

سلسلة الإعلام بأحكام الصيام

بسم الله الرحمن الرحيم



      هذه سلسلة بإذن الله سأستمر فيها خلال الأيام المتبقية من شهر شعبان نتعرف فيها وإياكم على جملة من أحكام الصيام ، لكي يكون الواحد منا على بصيرة في عبادته لربه، أسميتها:" الإعلام بأحكام الصيام "، وهذا هو الدرس الأول من هذه السلسلة المباركة .


الصيام تعريفه وفرضيته


تعريف الصوم لغة : الإمساك، ومنه قوله تعالى:{إِنِّيْ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَومًا} أي إمساكا عن الكلام، وشرعا: الإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس تعبدا لله عز وجل .


فرضية الصيام : ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ففي الكتاب قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وقوله:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، وفي السنة أحاديث كثيرة منها: حديث ابن عمر المتفق على صحته، قال فيه صلى الله عليه وسلم :"  بُنِيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ " وذكر منها :" وَصَومِ رَمَضَانَ "، وانعقد الإجماع على وجوب الصوم، فوجوبه من المعلوم من الدين بالضرورة، وجاحده كافر بالله العظيم، وأما تاركه كسلا وتهاونا فعلى خطر عظيم، لتركه أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام, وارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب والآثام .

      لقد كانت فرضية الصيام في السنة الثانية من الهجرة النبوية، وما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد صام تسع رمضانات، ولمشقة الصيام كانت بداية فرضية  صيام شهر رمضان بالتدريج، فكان أولا تخييرا بينه وبين الإطعام، ثم ثبت وجوبه إلا من أباح له الشارع الترخص في الفطر، قال ابن القيم رحمه الله:وكان للصوم رُتَبٌ ثلاث، إحداها: إيجابُه بوصف التخيير. والثانية: تحتُّمه؛ لكن كان الصائمُ إذا نام قبل أن يَطْعَمَ حَرُمَ عليه الطعامُ والشرابُ إلى الليلة القابلة، فنُسِخ ذلك بالرتبة الثالثة: وهي التي استقر عليها الشرعُ إلى يوم القيامة .


الثلاثاء، 22 يناير 2013

الحرب الفرنسية على مالي


رابطة علماء المسلمين تصدر بيانا حول الحرب الفرنسية على مسلمي مالي
المسلم - خاص  | 5/3/1434 هـ


أصدرت رابطة علماء المسلمين بيانا اليوم استنكرت فيه الحرب على المسلمين في مالي ، والتدخل السافر ، في شئون المسلمين هناك بدعوى الإرهاب والتشدد .
وقالت الرابطة في بيانها إن ( ما فعلته فرنسا حرب وعدوان على المسلمين، يجب إنكاره، ولا يجوز إقراره فضلاً عن دعمه مادياً أو إعلامياً ) . وأكدت الرابطة في بيانها أن مظاهرة الكافرين على المسلمين من نواقض الإسلام ، كما هو ظاهر القران وبينه أئمة وعلماء الإسلام . ودعا البيان المسلمين شعوبا ودولا لرد العدوان ودعم المجاهدين بما استطاعوا إليه سبيلا . كما حذرت الرابطة من أن يكون الخلاف في المسائل الاجتهادية سببا لخذلان المسلم لأخيه المسلم أو تخليه عنه. وفيما يلي نص البيان :

         بيان حول الحرب الفرنسية الظالمة ضد مسلمي مالي

الحمد لله ناصر المستضعفين، وجاعل الدائرة على أعداء الدين المحاربين (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). وصلى الله وسلم على إمام المجاهدين وقائد الغر المحجلين القائل: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) والقائل:(المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه)الحديث، وعلى آله وصحابته أجمعين.
 أما بعد :

فإن الحرب التي تشنها فرنسا على المسلمين في مالي ضرب من العدوان السافر، والتدخل في شؤون لا مسوغ لدخولها فيها، لكنها حرب طوائف من الإسلاميين بدعوى الإرهاب والتشدد، فما كان ذنبهم إلاّ سعيهم لإقامة حكم إسلامي في بلدهم الذي طالما اخضع للاستعمار وشريعة الغرب، فالمسلمون في مالي لم يرتكبوا جرائم حرب، ولا جرائم ضد الإنسانية، ولا هددوا الأمن والسلم الإقليمي فضلاً عن الدولي! بينما يرتكب نظام مجرم في الشام أبشع الجرائم ضد البشرية، وفرنسا كسائر الأمم الغربية تتفرج، وتكتفي بالشجب البارد، ولا تحرك ساكناً، بل تتربص للتدخل إذا استتبت الأمور للمجاهدين ، للحيلولة دون أن يقطفوا ثمرة جهادهم!

وحيال هذا الظلم والعدوان نبين للأمة ما يأتي:

أولاً: ما فعلته فرنسا حرب وعدوان على المسلمين، يجب إنكاره، ولا يجوز إقراره فضلاً عن دعمه مادياً أو إعلامياً أو بأي نوع من أنواع الدعم المعنوي، فمظاهرة الكافرين على المسلمين من نواقض الإسلام كما هو ظاهر القرآن وبينه أئمة وعلماء الإسلام، ولاسيما إن كان الكافر يعلن بأن حربه على قوم يريدون إقامة حكم إسلامي في بلدهم، فإعانته الكفار في هذه الحال من الموبقات العظيمة التي لا يجوز لمسلم أن يسهم فيها، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) [المائدة: 51-52].



ثانياً: على جميع المسلمين دولا وشعوبا رد هذا العدوان ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ودعم المجاهدين هناك بما أطاقوا، فإن لم تكن لهم على الحرب قدرة، ولم يكن لهم إلى دعم المجاهدين سبيل، فلا أقل من الوساطة للخروج بحل سلمي مشروع يكف المعتدي، ويصلح ما بين الإخوة في مالي، ويقع على عاتق أهل العلم والعقل والديانة في تلك البلاد من ذلك الثقل الأكبر، وكل ذلك من جملة الولاء الواجب بين المؤمنين. لأن الكفار يوالي بعضهم بعضا، كما بين سبحانه (وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) [الأنفال: 73]، وقد فعلوا ذلك، فتمالؤا في هذه النازلة، ودعموا الفرنسيين دون مواربة، وحري بالمؤمنين أن يوالي بعضهم بعضاً: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) [الأنفال: 72].


ثالثاً: حال المسلمين اليوم، تقتضي العمل على إقامة الدين بحكمة، فتراعى العواقب، وتدرك حدود الطاقة، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها وما آتاها، ورحم الله امرئً عرف قدر نفسه، وقدر قبل الخطو لرجله؛ فلم يعنت نفسه أو يسبب العنت لغيره، لكن تقدير هذه الأمور كثيراً ما يكون موضع اجتهاد، فلا يجوز أن يكون الخلاف فيه سبباً في خذلان المسلم لأخيه المسلم، ولا مسوغاً لإسلامه لعدوه، دع الإعانة عليه أو الشماتة به، أو إقرار احتلال بلاده، فهذا فعل من لا خلاق لهم، وقد قال الله فيهم: (الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [آل عمران: 168]، وقد كان هذا يوم أحد حيث خرج المسلمون باجتهاد، ونزلوا من الجبل باجتهاد.


وأخيراً، فإن مما ليس لمسلم أي عذر فيه هو واجب النصرة بالدعاء لإخواننا في مالي بأن يذل الله أعداءهم، وينصرهم عليهم، وأن يرزق المسلمين من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء، وأن يلطف بهم، ويداوي جرحاهم ويشفي مرضاهم، ويرحم قتلاهم، وأن ينجي المستضعفين ويهلك الظالمين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأحد، 16 سبتمبر 2012

بيان رابطة علماء المسلمين حول الفلم المسيء للنبي صلى الله عليه وسلم والواجب تجاهه

بيان رابطة علماء المسلمين حول الفلم المسيء للنبي صلى الله عليه وسلم والواجب تجاهه
موقع المسلم  | 30/10/1433 هـ

الحمد لله الذي أرسل رسولَه بالهدى ودينِ الحقِّ، ليظهره على الدِّين كلِّه رغم أنف الكارهين، والصلاةُ والسلام على إمام المرسلين، وقائدِ الغرِّ المحجلين، نبيِّنا محمدٍ عليه وعلى آله وصحبه والتابعين أما بعد:
فقد أصدرت شرذمة من الأقباط الذين لفظتهم أرض مصر فالتجئوا إلى أمريكا فِلْماً يُسيئون فيه إلى نبيِّ الإسلامِ عليه الصلاةُ والسلام، وذلك بالافتراء عليه، والعَمْدِ إلى تشويه دينِه وتعاليمِه، حشوه بالأكاذيب وهم يعلمون، جسَّدوا فيه بعضَ أحقادِ قلوبهم ومكنونات أنفُسِهم المريضة، {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} ولك أن تقارن بين تلك الشِّرذمة الموبوءة وبين أهل دينٍ عظيم يمنَع أتباعُه من تمثيلِ الأنبياء ولو بقصد الإشادة لما يتضمنه من الإزراء بمقامهم الكريم، وإن تعجب فاعجب من قوم يزعمون اتباع المسيح عليه السلام، يجدونه مكتوباً عندهم {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}، ثم لا يكتفون في مخالفته إلاّ بِمُناصَبَةِ من أوصاهم به العَداء! يتهمونه بما اتُهِم به نبيهم فما أبعدهم عن دينه، وما أكفرهم بشريعته وإن ادعوا متابعته، والحمد لله الذي أظهر حقيقتهم لمن يرجو خيرهم أو التقاربَ معهم {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}.


ولنا مع هذا الحدث هذه الوقفات:

أولاً: تَنَقُّصُ الأنبياءِ والإزراءُ بهم من أعظمِ الجرائم في الإسلام، يوجِب ردَّة فاعلِه إن كان مسلماً ويُقضى بقتله. ويَنْقُضُ عَهدَ فاعله إن كان كافراً، ويُحِلُّ دمَه، ويوجب حربَه مع القدرة عليها، وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين, وتنفيذ ذلك لجهات الاختصاص الشرعي في كل بلد وليس لعموم الناس, مما تكون مفسدته أعظم.

ثانياً: على حكومة أمريكا أن تعلم أنه لا يمكنها أن تُؤوي وتَحمي من يُحاربُ الإسلامَ والمسلمين، ويَتَنَقَّصُ دِينَهم، ونبيَّهم عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك تريد من العالم أن يعترف لها بأنها دولة التسامح والحرية {فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}, بل هي دولة الإجرام وحماية المجرمين.

ثالثاً: على دولةِ أمريكا وَفقاً للشرائع الربانية والقوانين الدولية والمقررات الأممية، أن توقف وتحاكم المسيئين المشارَ إليهم، لما يتضمنه صنيعُهم من الإساءة إلى دينٍ مُقدَّس، ونبيٍ كريم، وملايين من المسلمين, بل وتسيء إلى شعبها ومصالحها إن كانوا يعقلون, ودعوى الحرية الذي أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية (حماية للمجرمين), لماذا لم تسع هذه الحرية من يتكلم عن محرقة اليهود المزعومة (الهولوكوست), أم أن حرمة الأنبياء أقل من حرمةِ كذبة يهودية, مبالغٌ فيها, لتكون سيفاً مسلطاً على رقاب العالم وحماية لليهود ومصالحهم.

رابعاً: على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ولاسيما في أمريكا أن ينتصروا لدينهم ونبيهم عليه الصلاة والسلام، وذلك بكافة السبل المستطاعة المشروعة، وبخاصة رفع الدعاوى القانونية ضد المجرمين لإساءتهم لنبيهم وللمسلمين في تلك البلاد, ومن عَجِز فلا يُكلِّف الله نفساً إلاّ وسعها، قد أوذي رسل الله من قبل (فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام: 34]. بيد أنه يقع على عاتق حكام المسلمين واجب أكبر في الانتصار لنبيهم، بالضغط على الجهات الحامية لهذه الشرذمة، ولمثل هذه الأعمال العدوانية من مؤسسات ومنظمات وغيرها، كما يجب على العلماء والمجامع وهيئات الفتيا أن ينتصروا لنبيهم ببيان ما يجب، وفعل ما يمكن.

خامساً: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8]، ومن العدل أن لا نأخذ المُسالم بجريرةِ المُسيء، (وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: 164]، فمن ثبت له حكم العهد بدخوله بلد الإسلام بأمانٍ أو طريقٍ رسمي، أو كان مُقيماً فيه موادَعاً، فلا يحل التعدي عليه وذلك ما لم يُظْهِر موافقتهم على جُرمهم, وعلى الشباب الرجوع إلى علمائهم لبيان ما يجب فعله قبل الإقدام على أمر لا تعلم عاقبته.

سادساً: ما يجري من حوادث ظاهرها الانتقام ممن آوى المسيئين يجب وزنها بميزان الشريعة، فما كانت مفسدته راجحة منع، وما خالف الشرع أُنْكِر، دون أن يُحَمَّل تبعتَه المسلمون المطالبون بحقهم المشروع، بل الأجدر بحمل التَّبِعَةِ طوائفُ تبتغي الفتنةَ، من بقايا أنظمةٍ لها مآربها، يصرف الأنظار عنها قومٌ يريدون صرف المسلمين عن لُبِّ نُصرتهم لنبيهم، وبنائهم لدولهم، ولاسيما في مصر وليبيا وتونس.

وأخيراً ليعلم المسلمون أن الله منتصرٌ لدينه، ناصرٌ نبيَّه، (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين)، (أليس الله بكاف عبده)، بلى! (إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إله آخر فسوف يعلمون * ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، وليعلم المسلم أن من أعظم ما ينصر به نبيَّه أن يستقيم على دينِه، وأن يدعو إلى هديِه، وأن يلزم سنَّتَه، إلى أن يلقى ربَّه، هذا والله نسأل أن يعز جنده، ويظهر حزبه، ويذل الشرك وأهله، وصلى الله وسلم على خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين.


رابطة علماء المسلمين

رئيس الرابطة                     الأمين العام
الشيخ الأمين الحــاج        أ.د ناصر بن سليمان العمر