الخميس، 6 فبراير 2014

رِجَــــــــــالٌ



                       رِجَـــــــــــــــــــــالٌ



مازلت أبحث في وجوه الناس عن بعض الرجال
عن عصبـــة يقفـــون في الأزمــــــات كالشم الجبال
فإذا تكلمت الشفــــــاه ســـــــــــمعـــت ميزان المقـــــــــال
وإذا تحركت الـــرجــــــــال رأيت أفعــــــــــال الــرجــــــــــــــــــال
أمــا إذا سكــــتـــــــــوا فأنظــــــــــار لـهـــــــا وقـــــــع النبــــــــــــــــــــــــــال
يسـعـــــون جَهـــدًا للعـــــلا بل دائمًــا نحـــــــــو الكمــــال
يصلــون للغــايــات لو كانت على بعــــدِ الْمُحـــال
ويحققــــــون مفـــــــاخــــــرًا كانت خيـــــــالاً في خيــــــــــــــال
يتعشّقــون المـــوت في أوســـاط ساحــــات القتـــــــــال
ويـــــرون أن الحـــــــــــــرَّ عبــــــــــــــــد إن تــــوجــــــه للضـــــــــــــلال
من لـــــي بفــــــرد منهمُ ثقـــــــــــــــة ومحمــــــــــود الخصــــــــال
من لــي به يا قــــــوم إن همـــــــومَ وجـــــــداني ثقــــــــــــــــــــــال
سيطـــول بحثي إن ســــــــــــــؤلي نــــــــادر صعب المــــــــآل
فمن الذي تحوي معًـا أوصافه هذي الخصـــــــــال
لكنَّ عـــذري أن في الدنيـــا قــليـــــلاً من رجـــــــــــــــــــــال
    
      جلس عمر رضي الله عنه يوما إلى أصحابه فقال لهم: تمنوا . فقال بعضهم : أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله وأتصدق، وقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة زبرجدا وجوهرا فأنفقه في سبيل الله وأتصدق، ثم قال عمر: تمنوا . فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين . فقال عمر: أتمنى لو أنها مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان:

والناسُ ألفٌ منهُمُ كواحدٍ **** وواحدٌ كالألفِ إنْ أمرٌ عَنَى

     فلله در أمير المؤمنين المحدث الملهم عمر رضي الله عنه، ما أحكمه وما أعظم حنكته وأدق فهمه، لم يتمن كنوزا وأموالا، لم يذهب عقله إلى الماديات إنما دار بخلده من تجبى على أيديهم الكنوز وتفتح بهم الأمصار، تمنى رضي الله عنه رجالا لكن ليسوا أي رجال، إنما رجال كالرجال الذين تخرجوا من مدرسة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إنهم أعظم الرجال، ومن الرجال من يزن مائة، ومنهم من يزن ألفا، ومنهم أمة وحده، وهؤلاء أغلى من كل معدن ثمين، وأثمن من كل جوهر نفيس، ووجودهم يعز ويندر، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال كما في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما:" إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً " بمعنى أن الرجال بمعنى الرجال وجودهم عزيز في دنيا الناس، وإن أمتنا اليوم بحاجة إلى رجال كأولئك الرجال ... رجال الجيل الأول، الجيل الفريد .

    حاصر خالد بن الوليد رضي الله عنه "الحيرة"، فطلب من أبي بكر رضي الله عنه مددًا، فما أمده إلا برجل واحد هو القعقاع بن عمرو التميمي، وقال: "لا يهزم جيش فيه مثله"، وكان يقول: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل. ولما طلب عمرو بن العاص رضي الله عنه المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فتح مصر كتب إليه: أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد .

     إننا عندما نتحدث عن الرجولة وخصال الرجولة وصفات الرجولة، لسنا نقصد ونعني بها الذكورة؛ فالذكورة صفة تقابل الأنوثة، وقد يوجد في الأمة ذكور لكنهم في حقيقة أمرهم أشباه رجال ولا رجال، لأن الرجولة صفة عظيمة وخصلة كريمة لها خصائص وصفات مدحها الشرع وأثنى على أهلها، وأمتنا ليست بحاجة إلى ذكور ليسوا برجال، وإنما حاجتها إلى من تحققت فيه الرجولة الحقّة.

    إن أمتنا بحاجة إلى رجال كأولئك الرجال الذين تسمو نفوسهم إلى معالي الأمور وتأنف سفسافها، أهل صدق في العهود ووفاء بالوعود، رجال أهل ثبات على المبادئ والقيم ورسوخ في الاستقامة على الحق:﴿ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْـــــدِيلاً ﴾[الأحزاب:23]، ﴿ رِجَـــــالٌ يُحِــــبُّـــــونَ أَنْ يَتَــــطَـــــهَّرُوا ﴾[التوبة:108]، رجال نشأوا في طاعة الله، قلوبهم معلقة بالمساجد بيوت الله:﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَـــــالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَـــــارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْــــــــرِ اللَّهِ وَإِقَــــــــامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَـــــــاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُـــلُوبُ وَالْأَبْصَـــــارُ ﴾[النور:36ـــــ37]، رجــــــــــال:﴿ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَــــــاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَــــرِيمٌ ﴾[الأنفال:2-4]، رجــــــــــال يحبهم الله ويحبونه، رضي عنهم ورضوا عنه:﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَـــــــــاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَـــــــــافُونَ لَــــــــوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ ﴾[المائدة:54]، رجال لله مخلصون، وبأمره يأتمرون، وعن نهيه ينتهون، ولنبيهم صلى الله عليه وسلم متبعون .

      إن أمتنا بحاجة إلى رجالٍ في أقوالهم، رجالٍ في أفعالهم، رجالٍ في أخلاقهم، رجالٍ في تصرّفاتهم، رجالٍ في أفكارهم وتصوراتهم، رجالٍ في شخصياتهم، فالرجولة إصلاح لا إفساد، جدٌّ لا كسل، عمل لا عجز، إيجابية لا سلبية، أمانة لا خيانة، صدق لا كذب، الرجولة عفة ونزاهة، وفضيلة وطهارة، وعزة وكرامة، ومروءة وشهامة، الرجولة لا خسة وسفاهة، ولا ذل ومهانة، ولا حمق ورذيلة، ولا خنوع وميوعة، الرجولة الحقة قول رشيد، ورأيٌ سديد، وكلمة طيبة، ونصيحة صادقة، وتعاون وتضامن، الرجولة الحقة دفاع عن التوحيد ونصر للملة وذب عن الشريعة:﴿ وَجَاء رَجُــــلٌ مّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يامُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَخْرُجْ إِنّى لَكَ مِنَ النَّـاصِحِينَ ﴾[القصص:20]، الرجولة قوة في القول، وصدع بالحق، وتحذير من المخالفة من أمر الله مع حرص وفطنة، قال تعالى:﴿ وَقَالَ رَجُــــــــــــــــلٌ مُّــــــؤْمِـــــــنٌ مّنْ ءالِ فِـــرْعَـــوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـانَــــــهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُـــــــــــــــلاً أَن يَقُـــــــــولَ رَبّــــــيَ اللَّهُ وَقَدْ جَــــــاءكُمْ بِلْبَيّنَـاتِ مِن رَّبّكُمْ ﴾[غافر:28]، الرجولة: تحملك على أن تؤدي واجبك نحو ربك، وواجبك نحو نفسك، وواجبك نحو دينك وأهلك وأمتك . الرجـــــــولـــــــــة قـــــــــوامـــــــة في البيوت وتحمل للمسؤولية:﴿ الـــــرِّجَــــالُ قَوَّامُـــــونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّـــــلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُـــــوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾[النساء:34]، ولا يقدح في رجولة الرجل أن يكون معينا لأهله ملاطفا وممازحا لهم فقد كان ذلك دأبه صلى الله عليه وسلم، ولكن الذي يقدح في رجولة الرجل انعدام غيرته على أهله فيما يحفظ لهم حشمتهم وعفتهم وحجابهم وسترهم، وحياءهم وطهارتهم، فالرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، وما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة كما جاء في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم.

الأربعاء، 5 فبراير 2014

سلسلة أسئلة العقيدة




 بسم الله الرحمن الرحيم


اختصار أعلام السنة المنشورة



    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه صلاة وتسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد: 
    هذه (سلسلة أسئلة في العقيدة) وهي منقولة باختصار من كتاب (أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة) لحافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى، حاولت جاهدا أن أقتصر في اختصارها على ألفاظ المؤلف رحمه الله بذكر ما كان جامعا من كلامه أو استدلاله في جواب كل سؤال، إلا ما كان بين القوسين المعكوفين هكذا [] فهو من تصرف المختصر عفا الله عنه، أسأل الله أن ينفع بها، كما نفع بأصلها، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به :

السؤال الأول: ما أول ما يجب على العباد ؟
الجواب : أول ما يجب على العباد معرفة الأمر الذي خلقهم الله له، وأخذ عليهم الميثاق به، [وهو إفراده سبحانه بالعبادة]، قال تعالى:﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِـــنَّ وَالْإِنْـــسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾.

السؤال الثاني : ما معنى العبد ؟
الجـواب : العبد إن أريد به الْمُعَبَّد أي الْمُذَلَّل الْمُسَخَّر، فهو شامل لجميع المخلوقات من العوالم العلوية والسفلية: الكل مخلوق لله، مربوب له. وإن أريد به العابد الْمُحب الْمُتَذلّل خُصَّ ذلك بالمؤمنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

السؤال الثالث : ما هي العبادة ؟ ومتى يكون العمل عبادة ؟
الجـواب : العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والبراءة مما ينافي ذلك ويضاده . ويكون العمل عبادة إذا أكمل فيه شيئان: كمال الحب مع كمال الذل، وقد جمع الله تعالى بين ذلك في قوله:﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ .

السؤال الرابع : ما علامة محبة العبد ربه عز وجل ؟
الجـواب : علامة ذلك أن يحب ما يحبه الله تعالى ويبغض ما يسخطه، فأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه .

السؤال الخامس : بماذا عرف العباد ما يحبه الله ويرضاه ؟
الجـواب : عرفوه بإرسال الله تعالى الرسل وإنزاله الكتب، قال الله:﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾.

الجمعة، 1 نوفمبر 2013

رؤيا نبوية


رُؤْيـــَــــا نَــبَـــــوِيــَّـــةٌ



        عند البخاري في صحيحه عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ t قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ:" هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا ؟ "- يجلس بعد صلاة الصبح فيقص الصحابة رضوان الله عليهم رؤاهم على إمام المعبرين ومعلم مفسري الأحلام الرسول الأعظم والنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم فيعبرها لهم - قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ - أي بعد صلاة الصبح - :" إِنَّهُ أَتَانِيْ اللَّيْلَةَ آتِيَانِ - هما جبريل وميكائيل -، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِيْ - أي أيقظاه صلى الله عليه وسلم فيما يرى -، وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِيْ انْطَلِقْ . وَإِنِّيْ انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا - وفي رواية: إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ - وهذا فيه أن الإسراء وقع مراراً فكما وقع يقظة فقد وقع مناما - وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِيْ بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ – أي يشدخ رأسه ويكسره ويرضّه - فَيَتَهَدْهَدُ أو يَتَدَهْدَهُ الْحَجَرُ هَا هُنَا – أي يتدحرج -، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى . قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ ! مَا هَذَانِ ؟ - ما هذا المنظر المخيف والمشهد المفزع - قَالَ: قَالاَ لِيْ: انْطَلِقْ انْطَلِقْ . قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ – مضطجع على ظهره -، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِيْ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ – الجانب من الوجه - فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، - أي يشق ويقطع الجانب من فمه إلى قافية رأسه - وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، - صورة بشعة مؤلمة نسأل الله العفو والسلامة - ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ – أي الجانب الثاني - حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ – أي الجانب الأول يصح - كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى – يتكرر المشهد مرة بعد مرة، وأخرى تلو أخرى - . قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! مَا هَذَانِ ؟ قَالَ: قَالاَ لِيْ: انْطَلِقْ انْطَلِقْ . فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ، فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ . قَالَ: فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا – أي ارتفعت أصواتهم مختلطة - . قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلاَءِ ؟ قَالَ: قَالاَ لِيْ: انْطَلِقِ انْطَلِقْ . قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِيْ النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِيْ ذَلِكَ الَّذِيْ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ، - يفتح له فاه،  يفغر يفتح وزنا ومعنى - فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، - يلقي في فمه حجرا - فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا . قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ ؟ قَالَ: قَالاَ لِيْ: انْطَلِقِ انْطَلِقْ . قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ، - قبيح المنظر - كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلاً مَرْآةً، - لم تر رجلا بلغ قبحا في منظره كقبحه - وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا، - يوقدها ويشعلها - وَيَسْعَى حَوْلَهَا . قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا ؟ قَالَ: قَالاَ لِيْ: انْطَلِقِ انْطَلِقْ . فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ – جنة كثيرة الشجر الأخضر ولكثرة الخضرة صارت مائلة إلى العتمة وهي شدة الظلام - فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ – وسط هذه الجنة - رَجُلٌ طَوِيلٌ لاَ أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولاً فِيْ السَّمَاءِ، - لفرط طوله - وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ - أي ما رأيت ولدانا قط أكثر منهم -. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا ؟ مَا هَؤُلاَءِ ؟ قَالَ: قَالاَ لِيْ: انْطَلِقِ انْطَلِقْ . قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ، لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلاَ أَحْسَنَ – جنة بلغت الغاية في الحسن والجمال - . قَالَ: قَالاَ لِيْ: ارْقَ فِيهَا – اصعد فيها -. قَالَ: فَارْتَقَيْنَا فِيهَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ – أي نصف - مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ . قَالَ: قَالاَ لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِيْ ذَلِكَ النَّهَرِ – أي انغمسوا فيه - . قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِيْ – يجري عرضا - كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِيْ الْبَيَاضِ، - يشبه بياضه بياض اللبن الخالص - فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ، - انغمسوا فيه - ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِيْ أَحْسَنِ صُورَةٍ – ذهب ما بهم من السوء واكتمل حسنهم فصاروا في أجمل خلق وأحسن صورة -. قَالَ: قَالاَ لِيْ: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ . قَالَ: فَسَمَا بَصَرِيْ صُعُدًا، - علا نظره مرتفعا إلى فوق - فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ – السحابة البارزة المنفردة البيضاء -. قَالَ: قَالاَ: هَذَاكَ مَنْزِلُكَ . قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا، ذَرَانِيْ فَأَدْخُلَهُ . قَالاَ: أَمَّا الآنَ فَلاَ ! وَأَنْتَ دَاخِلُهُ . – لأنه ما زال في عمره بقية يقضيه في دار الفناء فليس له الإقامة في دار البقاء قبل أن يستفرغ ما له من الأجل والرزق - قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّيْ قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِيْ رَأَيْتُ ؟ قَالَ: قَالاَ لِيْ: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِيْ أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ، - إن عذاب الله وعقوبته مترتب على القول والفعل إما فعلا أو تركا، وهذه صور لمشاهد من مشاهد العذاب في البرزخ، الرجل الأول يأخذ القرآن فيرفضه يتعلم وحي الله كتابا وسنة ثم يترك العمل به، هذا حال من آتاه الله آياته فانسلخ منها، حال من علم ولم يعمل بما علم، حال من يأمر الناس بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، نسأل الله العفو والسلامة - وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ،- أي ينام الصلاة المفروضة فيؤخرها إلى آخر وقتها أو حتى يخرج وقتها، وكم من المسلمين اليوم صلاة الفجر أمر ثانوي في حياتهم، ولربما غيرها من الصلوات أيضا لكن لما كانت الفجر بعد نوم واسترخاء أصبحت أمرا ثانويا عند البعض وصلاة الفجر أثقل الصلاة على المنافقين هي وصلاة العشاء، وهي من البردين الذين من صلاهما دخل الجنة؛ فالحذر الحذر من ضياع الصلوات وإخراجها عن أوقاتها فقد جعل الله الصلاة كتابا موقوتا، ومن العجب أن يهتم البعض بأوقات الدوامات والوظائف وهي مواقيت متعلقة بأوامر البشر، ويفرط ويضيع المواقيت التي تعلقت بأمر رب البشر سبحانه وتعالى، فهذا مشهد من مشاهد عذاب البرزخ وهو مثال على ترك الفعل المأمور به - وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِيْ أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، - وما أسهل هذا الأمر في ظل وسائل التواصل الحديثة من الواتسب والتويتر والفيس بوك ونحوها لربما يكذب الرجل الكذبة وهو خارج من بيته فلا يصل إلى مكان عمله إلا وقد بلغت مشارق الأرض ومغاربها نسأل الله العفو والسلامة، وهذا فيه أخذ الحيطة بالتثبت في النقل والحذر من ترويج الشائعات { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }[الحجرات:6] فالحذر كل الحذر من العجلة وعدم التأني والتمحيص في نقل الأخبار فما آفة الأخبار إلا رواتها، وهذا مشهد من مشاهد عذاب البرزخ وهو مثال على فعل القول المأمور بتركه - وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِيْ مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِيْ، - لما هتكوا ستر العورات فكشفوها عند من لا يحل له رؤيتها، وأقبلوا على ارتكاب هذه الفاحشة النكراء التي أمروا بمجانبتها وعدم القرب منها استحقوا أن تعذب أسافلهم فالجزاء من جنس العمل، وهذا مشهد من مشاهد عذاب البرزخ وهو مثال لفعل بدني مأمور بتركه - وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِيْ أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِيْ النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، - مشهد من مشاهد عذاب البرزخ وهو مثال للوقوع في فعل مالي مأمور بتركه، إنه أكل الربا كبيرة من كبائر الذنوب فدرهم ربا أشد وأعظم عند الله من ستة وثلاثين زنية، الربا محاربة لله ورسوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ }[البقرة:278ـــ279]، وفي هذا الزمان شيدت صروح الربا وأعلي بنيانه محادة لله ورسوله فأصاب الأمة ما أصابها، وأصبحت كغثاء السيل ردها الله إليه ردا جميلا - وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِيْ عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، - أعاذنا الله من جهنم- وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِيْ فِيْ الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ r، - أبو الأنبياء وخليل الرحمن عليه الصلاة والسلام - وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ . قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ . – فكل مولود مات على الفطرة فهو في الجنة بحكم النبي صلى الله عليه وسلم - وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطَرٌ مِنْهُمْ قَبِيحًا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ " – استوت حسناتهم وسيئاتهم فتجاوز الله عنهم وعفا عنهم ورحمهم برحمته التي تسع كل شيء فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فنسألك اللهم أن تتجاوز عنا وأن ترحمنا برحمتك - .

الجمعة، 11 أكتوبر 2013

يوم عرفة


يَــــــــومُ عَـــــــرَفَــــــــــةَ




              هناك وقد كادت الشمس أن تَؤُوبَ؛ على صعيد عرفات وقف صلى الله عليه وسلم فقال لبلال رضي الله عنه : " يَا بِلَالُ أَنْصِتِ لِيَ النَّاسَ " فَقَامَ بِلَالٌ فَقَالَ : أَنْصِتُوا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْصَتَ النَّاسُ، فَقَالَ :" مَعْشَرَ النَّاسِ : أَتَانِيْ جِبْرَائِيْلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ آنِفاً فَأَقْرَأَنِيْ مِنْ رَبِّيَ السَّلَامَ، وَقَالَ : إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ المَشْعَرِ، وَضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ " فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ! هَذَا لَنَا خَاصَّةً ؟ قَالَ : " هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ " فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : كَثُرَ خَيْرُ اللهِ وَطَابَ . صححه الألباني رحمه الله، وعند ابن ماجه وصححه الألباني رحمه الله أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال:" يَا بِلَالُ أَسْكِتِ النَّاسَ أَوْ أَنْصِتِ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ فِي جَمْعِكُمْ هَذَا فَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ؛ ادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّهِ "، إنه اليوم الأغر الأزهر، يوم عرفة، يوم سكب العبرات، وإقالة العثرات، وتنزل الرحمات، ورفع الدرجات، وحط الخطيئات، وغفران السيئات .

       يوم عرفة يوم عظيم عظمه الله فأقسم به في كتابه فقال سبحانه:{وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}[الفجر:1ـــــ3] قال ابن عباس رضي الله عنهما : الليالي العشر عشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة . ومن قسم الله به قوله سبحانه:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}[البروج:1ــــ3] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ : يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، وَالْمَشْهُودُ : يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَالشَّاهِدُ : يَوْمُ الْجُمُعَةِ " .

       يوم عرفة يوم أكمل الله لنا فيه الدين وأتم علينا فيه النعمة، ففي الصحيحين عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ ؟ قَالَ:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيْ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}. قَالَ عُمَرُ : قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ .

       يوم عرفة موسم عظيم، ومشهد فضل عميم، ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رئي يوم بدر، يوم عرفة تعتق فيه الرقاب من النار وتتنزل فيه رحمات العزيز الغفار فعند مسلم في صحيحه قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" مَا مِنْ يَومٍ أَكَثْرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيْهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يَومِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيْدُنُو ثُمَّ يُبَاهِيْ بِهِمُ المَلَائِكَةَ فَيَقُولُ : مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ  ؟ " . يدنو سبحانه من عباده دُنُوّاً يليق بجلاله وكماله وعظيم سلطانه، فهو سبحانه يقرب من عباده الصالحين الذين يتقربون إليه بطاعته وفعل مرضاته .

       يوم عرفة يوم الرغبة والرجاء، يوم التذلل والدعاء، عند الترمذي وحسنه الألباني عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " إنه يوم عرفة يوم تلهج فيه الألسنة بالأذكار والأدعية، تضرع وبكاء، وابتهال ودعاء، تسبيح وتبجيل، وتكبير وتهليل، اختلفت الأجناس، وتباينت اللغات، وتنوعت اللهجات، الأسود والأبيض، والأحمر والأشقر، الإفريقي والأوربي، والآسيوي والأمريكي، العربي والإنجليزي، والباكستاني والأفغاني، والهندي والتركماني، كلهم يدعون ربا واحدا، ويسألون إلها واحدا، وهو سبحانه يجيب كل سائل عما سأل، ويعطي كل طالب ما طلب، فسبحانك ربي ما أجلك وأعظمك، وسبحانك ما أحلمك وأرحمك، وسبحانك ما أجودك وأكرمك .

       يوم عرفة اجتماع الحجيج فيه على صعيد واحد في مشهد عظيم، وموقف مهيب، بلباس واحد، الحاكم والمحكوم والأمير، والغني والفقير، فلا طبقية ولا مناطقية، ولا عرقية ولا قومية، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، كل ذلك مشعر بأخوة الإيمان، ورابطة الإسلام، وهو مذكر بيوم الرجوع إلى الله يوم الحساب ولا عمل، اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

       يوم عرفة خطب صلى الله عليه وسلم فيه فكان فيما قال:" إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ؛ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِى بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ؛ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ . فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ . وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّيْ فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ . فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ:" اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ". ثَلاَثَ مَرَّاتٍ .

       يوم عرفة الوقوف به ركن الحج الأعظم فالحج عرفة كما صح من قوله صلى الله عليه وسلم، وصيام يوم عرفة يكفر سنتين سنة ماضية وسنة مستقبلة كما جاء عند مسلم في صحيحه من أبي قتادة رضي الله عنه، فاحرصوا على صيامه، وأكثروا فيه من الدعاء والاستغفار .

       جعلنا الله ممن عتق فيه رقابهم من النار، وغفر لهم ورحمهم إنه العزيز الغفار، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين .

الجمعة، 16 أغسطس 2013

عبر من الأحداث



عِبَرٌ مِنَ الأَحْدَاثِ
   



       
       أحداث جسام نازلة بأمة الإسلام، فتن كقطع الليل المظلم، فتن تدع الحليم حيرانا، فتن أخبر عن وقوعها صلى الله عليه وسلم، اجتماع على أمة الإسلام من الشرق والغرب، من الداخل والخارج، فأصبحت كقصعة تداع عليها الأكلة كما قال صلى الله عليه وسلم:" يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا . فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ "، وهذه الفتن المدلهمة والخطوب الجسيمة إنما لتصفي من السيل زبده، ليبقى في الأرض ما ينتفع به الناس، وأما زبده فيذهب جفاء كما أخبر ربنا تبارك وتعالى:{ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ }، هذه الأحداث العظيمة التي أنزلت بأمة الإسلام وأثقلت كاهلها، إنما هي تمحيص ليميز الله بها الخبيث من الطيب، فكم في هذه الأحداث قد انكسرت أقنعة، وتقشعت عن وجوه أغطية، كانت الأمة تظن بأصحابها خيرا، وتؤمل فيهم نفعا، فبانت على حقيقتها، وظهر خبثها وانكشف عوارها وعداوتها، والمسلم في خضم هذه الأحداث لربما عاش في تيه وعاش في حيرة وهو يقول: أولسنا المسلمين ؟ أو لسنا الذين نقول لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه ؟ لماذا يحصل هذا ؟ وإلى متى سيظل هذا ؟ ومتى سيأتي نصر الله ؟ ويحل وعد الله ؟ ولتعلم عبد الله أن هذه الأحداث فيها لله حكم جليلة ، ولنا فيها عبر عظيمة ، وفوائد جمة :

أولها : أن ما قضي كان، وما سطر منتظر : فالله جل وعلا كل شيء عنده بمقدار، في حديث ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه والنبي صلى الله عليه وسلم يربيه وهو غلام، ويعلمه وهو فتى صغير، يأخذ بأذنه يفركها ويقول له :" يَا غُلامُ ، إنِّي أعلّمُكَ كَلِمَاتٍ " كان من بين تلك الكلمات :" وَاعْلَمْ : أنَّ مَا أَخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبكَ ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ "، فالله عز وجل هو الذي قضي ويقدر، وهو الذي يأمر وينهى، ولا غالب لأمره، ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه سبحانه جل في علاه .
       
       ومن عبر هذه الأحداث أن ما حدث ويحدث إنما حدث ويحدث بعلم الله، ووفق حكمة الله، فالله جل وعلا في كل قضاء له حكمة، وفي كل فعل وأمر له حكمة، علم ذلك من علم، وجهل ذلك من جهل، والعبد إنما يستسلم لله، وينقاد لأمر الله، ويعلم أن ما أصابه إنما هو من الله، وإن كان بسبب من نفسه .

       ومن عبر هذه الأحداث، أن الله عز وجل يريد بها أن تقطع أمة الإسلام علائقها وأسبابها بغير سببه جل علاه، وتخلص لما يعلقها به وحده سبحانه، فالسبب المنجي إنما هو سبب الله، السبب الذي يوصلنا بالله، والحبل الذي يعلقنا بالله، العلائق كلها التي تكون بغير الله نقطعها، والأسباب التي توصلنا بالله نبترها، هذه الخطوب والأحداث هذه من أجل عبرها وأعظم فوائدها، تربي النفوس، وتطهر الضمائر، فتربطها بالله جل في علاه، الذي لا يجيب المضطر سواه، ولا يكشف الكرب غيره جل في علاه:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} .

إليه وإلا لا تشد الركائب *** وعنه وإلا فالمحدث كاذب
وفيه وإلا فالغـــــرام مضيع *** ومنه وإلا فالمؤمـــل خـــــائب

فالمؤمل لا يؤمل إلا في الله، ولا يرفع أكفه إلا إلى الله، رضا بقضاء الله، وتسليما لقدر الله، إبراهيم عليه السلام يلقى في النار بالمنجنيق، حينها إلى من رفع أكفه ؟ بين يدي من بسط يديه ؟ أتاه جبريل عليه السلام وهو يقول له: يا إبراهيم يا خليل الله ألك حاجة ؟ فيقول إبراهيم عليه السلام: بعزة الموحد لله، وبثقة المؤمن بنصر الله، لأن نفسه مربوطة بالله، وقلبه معلق بالله، وكل سبب غير سبب الله قطع عند إبراهيم عليه السلام، فلم يبق إلا ما اتصل بالله، قال إبراهيم عليه السلام: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم: حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل، ونحن نقولها في زمن تكالبت علينا الأعداء داخليا وخارجيا: حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.

       ومن عبر وفوائد هذه الأحداث العظيمة التي هزت الأمة أن النصر عباد الله قريب وإن تأخر، النصر وعد من الله للمؤمنين متحقق في واقع الحياة لا نشك في ذلك وإن تأخر عن حساب البشر جميعا، لأن الله جل وعلا قد وعد، ووعده لا يتخلف سبحانه وتعالى:{وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، رسول الله صلى الله عليه وسلم يكاد له ليخرج من مكة، بل ليقتل عليه الصلاة والسلام، يأتيه الوحي من الله أن الملأ اجتمعوا ليمكروا بك:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، لجأ إلى الغار صلى الله عليه وسلم، ومن يظن أن في الغار فرجا، ومن يظن أن الغار الضيق سعة، ومن يظن أن في كنف هذا الغار نصرا مبينا، وفتحا قريبا، يخرج به محمد صلى الله عليه وسلم لتتبعه الأمة، وينتشر دينه حتى يصل الصين شرقا، والمحيط الإطلنطي غربا، يجتمع كفار قريش على فوهة الغار، وأبو بكر رضي الله عنه ينظر إلى أقدامهم ويقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا، ورسول الله قلبه معلق بالله، وهو يقول لأبي بكر في ثقة بالله: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا، كم نحن في حاجة إلى أن نستشعر هذه المعاني العظيمة، لا تحزن إن الله معنا، والله الذي لا إله غيره لو اجتمعت قريش بأسرها وتبعها سائر الأحياء، بل وخرج الأموات من قبورهم يجرون أكفانهم خلف ذيولهم يريدون النيل من محمد صلى الله عليه وسلم حينها لما استطاعوا، لأن كان ثالث اثنين إنما هو الله جل في علاه .

       ومن عبر هذه الأحداث أن من كان مع الله وكان الله معه فمما يخاف ؟ من كان معه القوي فمما يخاف، من كان معه الغني مما يخاف ؟ من كان معه الجبار القوي المتكبر المتين مما يخاف ؟
ومن عبر هذه الأحداث وفوائدها عباد الله أن هذه الأحداث عرفتنا بحقيقة أنفسنا، وما أصابنا إنما هو بسبب من أنفسنا، { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }، { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}،{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، توبة إلى الله، ورجوعا إلى الله، وإنابة إلى الله، استكانة لله، وتذللا لله، وتضرعا لله، وخضوعا لله، وانطراحا بين يدي الله، حينها ينصرنا الله، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، النصر من الله وعد للمؤمنين، قد تنزل الملائكة مؤيدة للمؤمنين، وتهب الرياح العواتي، جندا من الله تأييدا للمؤمنين، غير أن النصر من الله لا يكون إلا للمؤمنين، وبالمؤمنين، { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .
   
     واجب علينا عباد الله أن نعود إلى الله وأن نتوب إليه، وأن يتجرد الواحد منا لله، ويقطع علائقه جميعها إلا بالله، عل الله أن يرفع هذا البلاء الذي حل بالأمة، وهذه الأحداث المؤلمة والخطوب الجسيمة، { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ }، فلا ملجأ لنا من الله إلا إلى الله .