الثلاثاء، 25 أكتوبر 2011

أَفْضَـلُ أَيَّـامِ الدُّنْيَـا




أَفْضَـلُ أَيَّـامِ الدُّنْيَـا



    ها نحن على مشارف موسم عظيم من مواسم البر والطاعات، إنه موسم من مواسم الخير والمغفرة, أيام تضاعف فيها الحسنات، وتتنزل فيها الرّحمات، وتقال فيها العثرات .
     إنه موسم أيامه معلومة، ولياليه معدودة، لكنها عظيمة الفضل، كثيرة الأجر، عليّة المكانة، جليلة المنزلة، إنه موسم شرفه وعظمته بتشريف الله وتعظيمه له، أقسم الله تبارك وتعالى به في كتابه، وعظّم شأنه، ورفع مكانته، وأعلى منزلته، فقال سبحانه وتعالى:{ وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ }[الفجر:1-2]، إنها الأيام المعلومات التي ذكرها الله في قوله:{ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }[الحج:28].
    إنها العشر الأول من ذي الحجة؛ أفضل أيام الدنيا، روى البزار في مسنده وصححه الألباني عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَفْضَلُ أَيَّامِ الْدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ، يَعْنِي عَشْرُ ذِي الحْجَّةِ "، قرنها الله تبارك وتعالى في قسمه بها بأفضل الأوقات، فقال سبحانه:{ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ }[الفجر:1ـ5]، قرنها سبحانه بالفجر، وبالشفع والوتر، وبالليل إذا يسر، والقرين بالمقارن يقتدي، أما اقترانها بالفجر فلأنه متنفس الحياة، بحلوله تعود الحياة إلى الأبدان بعد الموت، ويتنفس الصبح بعد عسعسة الليل، وتنفلق الأنوار بعد غشيان الظلام الدّامس، وتدبّ الحركة بعد السكون والركود، وقت الفجر تجتمع فيه الملائكة:{ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا }[الإسراء:78]، وقت الفجر به يتميز أهل الإيمان من أهل النفاق، ويكفي الفجر شرفاً وفخراً أنه أقرب الأوقات إلى النزول الإلهي، إذ ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولا يليق بجلاله وعظمته. وأما اقترانها بالشفع والوتر فلأنهما العددان المكوِّنان للمخلوقات، فما من مخلوق إلا وهو شفع أو وتر، أو أن الشفع هو المخلوقات جميعها، والوتر هو الله تبارك وتعالى وحده، وحتى العشر فيها شفع ووتر، فالشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة. وأما اقترانها بالليل فلفضله وشرفه، فقد ذكر في القرآن أكثر من النهار، وقدم عليه أكثر من سبعين مرة، إنه أفضل وقت لنافلة الصلاة، وقيام المؤمن فيه بين يدي ربه شرف له، وهو أقرب إلى إجابة الدعاء ومغفرة الذنوب:" هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ".
      إنها أفضل أيام الدنيا لأنها تجتمع فيها أمهات العبادات، فليس أيام يمكن فيها اجتماع أمهات العبادات سواها، ففيها تجتمع الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وقيام الليل وذكر الله والدعاء، والإنفاق، والجهاد في سبيل الله، والشفقة بالمحتاجين والضعفاء، والرحمة بالمساكين والفقراء، وبر الوالدين وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وغير ذلك من أنواع العبادات، فهذه العبادات وغيرها لا يمكن أن تجدها مجتمعة إلا في هذه الأيام، ولذلك كانت هذه الأيام أفضل أيام الدنيا.
   إنها أفضل أيام الدنيا؛ العمل الصالح فيها أفضل منه في غيرها، ففي الصحيح من حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "ما الْعَمَلُ في أَيَّامِ العشرِ أَفْضَلُ من العمل في هذه، قالوا: ولا الْجِهَادُ؟ قال: ولا الْجِهَادُ إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فلم يَرْجِعْ بِشَيْءٍ" رواه البخاري. وفي لفظ لأبي داود وأحمد في المسند: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوْا: يَا رَسُولَ الله، وَلَا الْجِهَادُ فِيْ سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِيْ سَبِيلِ اللهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ " وفي رواية للدارمي:" مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِيْ عَشْرِ الْأَضْحَى " فالنبي صلى الله عليه وسلم يرغبنا ويحثنا على العمل الصالح في هذه الأيام، إذ العمل فيها يشرف ويفضل عن العمل في غيرها؛ وهو لأهل الأمصار بشرف الزمان ولحجاج بيت الله الحرام بشرف الزمان والمكان.
     أفضل أيام الدنيا لأن فيها يوم عرفة اليوم المشهود الذي يتنزل الله عشيته فيباهي بأهل الموقف ملائكته، ويقول سبحانه:" انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِّينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ "، إنه يوم العتق من النيران:" فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ "، يوم عرفة يوم الابتهال والدعاء، فـ:"ـخَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ"، يوم عرفة صيامه لغير الحاج؛ يقول صلى الله عليه وسلم:" أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِيْ قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِيْ بَعْدَهُ ".
    أفضل أيام الدنيا لأن فيها أعظم الأيام عند الله، يوم النحر، اليوم العاشر، يوم عيد الأضحى المبارك، يوم الحج الأكبر، فيه معظم أعمال الحج من رمي الجمار، وحلق الرأس أو التخفيف، وذبح الهدي، والطواف، والسعي، وصلاة العيد، وذبح الأضحية.
    أفضل أيام الدنيا لأنها الأعظم عند الله والأحب إليه من غيرها، ثوانيها ودقائقها، لحظاتها وساعاتها، لياليها وأيامها، عند أحمد في المسند والبيهقي في الشعب بسند صحيح من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ الله وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ فِيهِنَّ الْعَمَلُ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ: الْعَشْرِ -أي عَشْر ذِي الحجة- فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيْحِ, وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ "، إنها أيام الإكثار من التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد تعظيماً لله وتمجيداً، وتنزيهاً له وتوحيداً، ولذلك كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا.
    إنها أفضل أيام الدنيا لأن الله سبحانه أكمل لنا فيها الدين وأتم علينا فيها النعمة:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }[المائدة:3]، فُتِحَت قلوبٌ غلفاً، وأُبْصِرَتْ أَعيُنٌ عُمياً، وسَمِعَت آذانٌ صُمّاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وظهر الإسلام ديناً يلوح في آفاق المعمورة، وارتفعت منارته في سماء الكون:{ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا }[الفتح:28]، لقد بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
    إنها أيام فاضلة، وليال شريفة، ودقائق مباركة وساعات عامرة بذكر الله وشكره، فنحن مدعوون فيها إلى تلمّس رحمة الله والسعي إلى مرضاته وفضله، والتعرّض لنفحاته ومنحه وعطاياه سبحانه وتعالى.
    هذه نبذة لطيفة وإطلالة سريعة على تلك الأيام المباركات الفاضلات تستنفر الهمم وتنفض غبار الغفلة، إننا أحوج ما نكون في هذه العشر إلى المبادرة بطاعة الرحيم الرحمن والمسارعة إلى رضا الكريم المنان، والتخلق فيها بأخلاق القرآن، والابتعاد فيها كل البعد عن سبل الشيطان، وهذا ينبغي أن يكون ديدناً للعبد في سائر الأزمان، لكنه في أشرفها وأعظمها وأجلها وأفضلها كهذه الأيام العشر ينبغي أن يكون أكثر جدّاً واجتهاداً، فشمروا وبادروا، وسارعوا وسابقوا، واصبروا وصابروا، واجتهدوا ونافسوا:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }[الحديد:21]، { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }[آل عمران:133]، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[المطففين:26]، عظموا هذه الأيام بالمبادرة فيها إلى الخيرات، واقدروها حق قدرها كما عظمها الله تبارك تعالى وفضلها على سائر الأيام، أدُّوا فيها فرائض الله سبحانه، وعظّموا حرماته، وقفوا عند حدوده:{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ }[الحج:30]، { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ }[الحج:32]. فاتقوا الله ربكم، واستعدوا لما تستقبلونه من عشركم، واعلموا أن مشقة العمل الصالح وإن عظمت فإنها تزول ويبقى الثواب والأجر، ولذة المعصية والذنب وإن طالت فإنها تنتهي ويبقى العقاب والوزر، ومن الغبن والخسران أن تكون أفضل أيام الدنيا؛ هذه الأيام العشر المباركة عند الناس كسائر الأيام، فلا يعظّمونها كما عظّمها الله تعالى، ويغفلون عن قدرها ومنزلتها، ولا يخصونها بمزيد من البر والعمل الصالح والاجتهاد في عبادة الله، وفعل ما يرضيه ويقرّب منه سبحانه، فكيف بمن قضاها في البعد عن الله بارتكاب معاصيه أجارنا الله وعافانا، وجعلنا من أهل رحمته ومغفرته إنه سميع قريب مجيب.

الأحد، 16 أكتوبر 2011

الحمل الثقيل


الحِمْـلُ الثَّقِيْـلُ
     حِملٌ ثقيل وواجبٌ جليل، تكليف جسيم وأمر عظيم، عرض على الكون كل الكون؛ سمائه وأرضه وجباله، فوجلن من حمله، وأشفقن من تكلفه، وأبين أن يقمن به، خوفاً من عدم القيام بحقه، وسلامة من عذاب الله وسخطه، وحمل هذا الحِمل الكبير والأمر الخطير الإنسان جنس الإنسان:{ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَـاواتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَـانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذّبَ اللَّهُ الْمُنَـافِقِينَ وَالْمُنَـافِقَـاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَـاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}، إنها الأمانة عباد الله !! المنافقون والمنافقات قاموا بها ظاهرًا وتركوها باطناً، والمشركون والمشركات تركوها ظاهراً وباطناً، وهؤلاء هم الذين توعدهم الله بالعذاب الأليم، والعقاب المقيم، وقدم المنافقون لأنهم أخطر فهم عدو خفي، وأما المؤمنون والمؤمنات فأولئك هم الذين قاموا بالأمانة ظاهراً وباطناً، وهم في أدائها والقيام بها بين ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله؛ لكنهم مع إنابتهم إلى ربهم وإقبالهم عليه يتوب عليهم ويغفر للمقصّر منهم وهذا من كمال رحمة الله ومغفرته، فسبحان من وسع كل شيء رحمةً وعلماً، ولذلك ختم الله الآية الكريم بالاسمين الكريمين العظيمين الجليلين، الغفور الرحيم، حتى أهل الشرك والنفاق إن تابوا وأنابوا رفع عنهم العذاب ولم ينزل بهم العقاب بل يبدل سيئاتهم حسنات، فسبحان الله العظيم الكريم التواب الغفور الرحيم.
     أخي الكريم: من الناس من قصر فهمه عن معنى الأمانة فظن أنها محصورة في الودائع المالية والمادية فحسب، وهذا مفهوم قاصر ضَيَّقَ به واسعاً، بل الأمانة بمفهومها الشامل، وتعريفها الكامل الذي يوافق مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم أنها: التكاليف الشرعية جميعها، إنها الدين كله، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:" لَا إِيْمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِيْنَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ "، إنها تتعلق بحقوق الله وحقوق العباد؛ ولا تقتصر على أحدهما دون الآخر، فمن أداها له الثواب، ومن ضيعها استحق العقاب .
     إنها الأمانة بالمفهوم الشامل الواسع الذي به تعم جميع وظائف الدين، فتأدية الواجبات أمانة، وترك المنهيات أمانة، الفرائض أمانة، وحدود الله أمانة، والعلم أمانة، والدعوة أمانة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانة، والإمارة والحكم أمانة، والوظائف والحصول عليها بعد طلبها أمانة، والودائع المالية والمادية أمانة، وحماية الدين والدفاع عن حياضه أمانة، ورعاية حقوق الشعوب أمانة، والدماء والأموال والأعراض أمانة، وصيانة الوطن المسلم والدفاع عنه وحماية ممتلكات المجتمع كل ذلك أمانة .
     لقد حذر الله من الخيانة في الأمانة وتوعد وهدد بأبلغ لفظ وأوجز كلام:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
     أخي في الله: إنك إذا تأملت كلمة الأمانة ستجد فيها معنى عظيماً، ستجد فيها معنى الأمان والاطمئنان، فكأن الأمن والسكينة، والراحة والطمأنينة، والاستقرار والسلامة؛ كل ذلك منوط ومرهون بتحقيق الأمانة بمفهومها الشامل الواسع .
     إننا نعيش زمان ضياع الأمانة، وضياعها بأن يوسد الأمر إلى غير أهله كما قال صلى الله عليه وسلم . 
     جعلنا الله من أهل الأمانة، وممن حفظ الأمانة وأدى حقها فيها، وجعلنا سبحانه من أهل الأمن والأمان والإسلام والإيمان في الدنيا والآخرة إنه سميع قريب وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين .  

الخميس، 22 سبتمبر 2011

الشعب يريد إسقاط ...!!؟؟

  الشَّعْبُ يُرِيْدُ إِسْقَاطَ ...!!!؟؟ 

     لقد ثارت شعوب وانتفضت أقطار، ثارت على الطغيان والجبروت والاستعباد، ثارت لتنال حريّتها، فكم استُعْبِدَت سنيناً، واضْطُّهِدَت أعواماً، آن لها أن تدفع الظلم وتغلبه، وتذلّ الطغيان وتهينه، وتقمع الباطل وتهزمه، وهذا ما حدث وحصل فيما سمّي بربيع الثورات العربية، إنها الثورة لأجل الحريّة ... وما أغلى الحريّة، ارتفعت الشعارات التي تنادي بإسقاط تلك الأنظمة المستبدّة، والحكومات الجائرة، لقد امتلأت آفاق تلك الأقطار، ورجّت أرجاء تلك البلدان: الشعب يريد إسقاط النظام، الشعب يريد إسقاط الرئيس . 
      ومن وحي ربيع تلك الثورات العربية؛ كما انتفضت تلك الشعوب لأجل الحرية؛ وما أغلى الحرية !! وما أجمل الحرية !! كما ثارت تلك الشعوب لإسقاط تلك الأنظمة المستبدّة، هناك ثورة ينبغي على الشعوب أن تسعى جاهدة في إشعال شرارتها، وتصطلي بقبسها، ثورة ينبغي على الشعوب كل الشعوب أن تشارك فيها، بجميع فئاتها ذكوراً وإناثاً، شيباً وشباباً، إنها ثورة مُطالبٌ بها جميع شرائح شعوب المعمورة، الإنسان جنس الإنسان، بأيّ لون أو صفة، ومن أيّ قطر أو بلد، وأيّاً كانت لغته أو لهجته، إنها ثورة الإنسانية أجمع ... إن كانت ثورة بعض البلاد العربية لأجل الحريّة، فهذه الثورة لأجل تحقيق أغلى الحريّات وأعلاها، وأعظمها وأسماها، وأثمنها وأرقاها، إن كانت ثورة بعض البلاد العربية لإسقاط نظام مستبدٍّ، فهذه الثورة لإسقاط رأس الشرور وعنوان الاستبداد، إنّها ثورة تختلف عن الثورات العربية لأنها مقدمّة عليها، إذ هي الأساس الذي تبنى عليه، والأصل الذي تنتسب إليه .
     إن هذه الثورة أخي الحبيب هي ثورة لتحقيق الحريّة من عبوديّة غير الله إلى عبوديّة الله، إذ العبوديّة لغير الله سبحانه تعاسة وشقاء، وحرمان وبلاء، وخسران الآخرة والأولى:" تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطََ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ "، إنها ثورة لتحقيق العبودية لله؛ والسعادة الدنيوية والأخروية الأبديّة السرمديّة منوطة بالتزام عتبة عبوديّة الله سبحانه، فمن لزم عتبة العبودية نال السعادة الأبديّة، ثورة لإسقاط الذنوب والخطايا بالانتصار على الطواغيت، ورأس الطواغيت إبليس:{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ }[يس:60ـ61]، ثورة لتحقيق الحرية من عبودية النفس التي بين جنبيك:{ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ }[يوسف:53]، ثورة لتحقيق الحريّة من عبوديّة الهوى، فقتيل الهوى خاسر محروم:{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }[الجاثية:23]، إنها ثورة على طغيان النفس والهوى والشيطان والشهوات:{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }[آل عمران:14]، المرجع إلى الله سبحانه شئنا أم أبينا فلا مردّ لنا إلا إليه، فلم لا يكون الرجوع منّا إلى الله سبحانه ونحن ما زلنا في زمن الإمهال عن طواعية وتذلل وخضوع واستسلام، لأن إخلاص العبودية لله على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفيل بتحريرنا من عبوديّة غير الله، وهو كذلك كفيل بتصحيح مسار ثوراتنا على الطواغيت البشرية التي حكمت رقاب العباد بغير حكم الله الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساستهم بغير منهج الله، تركت كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقـادتهم بحثالة أذهان البشـرية، وزبـالة أفكار الإنسانية؛ شرقية كانت أم غربية:{ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }[ المائدة:50] .
     والله وبالله وتالله إن عزّنا وسموّنا وعلوّنا ورفعتنا ومجدنا وسعادتنا في العبودية لله والأخذ بوحي الله؛ كتاباً وسنةً:{ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }[الأنبياء:10]، إنه الشرف العظيم الذي سنسأل عن تضييعه وهجره وعدم التمسّك والأخذ به:{ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ }[الزخرف:44]، أما آن لنا أن نرفع شعار: الشعب يريد إسقاط الذنوب، حريّة حريّة خالصة لله، حريّة حريّة توبة لله:{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ }[الحديد:16] .
     الله سبحانه يحب منّا أن نسقط ذنوبنا بالتوبة إليه والإقبال عليه:{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }[الزمر:53]، بل إن الله سبحانه يفرح منّا أن نبذل الجهد ونشمّر عن ساعد الجدّ لإسقاط ذنوبنا:" لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ؛ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِيْ ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِيْ وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ " .
    فنسأل الله سبحانه أن يسقط عنا ذنوبنا بغفرانها، ويزيل عنا سيئاتنا بتكفيرها، ويذهب عنا عيوبنا بتطهيرها، ويرحمنا برحمته، ويحررنا من كل عبوديّة إلا عبوديّته؛ إنه سميع قريب مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين .

الجمعة، 2 سبتمبر 2011

لماذا صلاة الفجر


لِمَاذَا صَلَاةُ الْفَجْرِ ؟!  


      صلاة الفجر هي الفاتحة لكل يوم في حياة المسلم، تعليماً وإشعاراً له أن يبدأ كل أموره بطاعة الله، والإقبال عليه، والقرب منه، والإنابة إليه، شكراً له على نعمائه، واعترافاً منه بفضله، صلاة الفجر هي صلاة المجاهدة وكل الصلوات كذلك؛ لكنّ الفجر أعظمها مجاهدة، وأهل المجاهدة للهدى موفَّقُون، وبمعيَّةِ الله سبحانه يفخرون:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، صلاة الفجر هي أقرب الصلوات إلى الله سبحانه إذ ينزل الرب تبارك وتعالى في الثلث الأخير من الليل نزولاً يليق بجلاله إلى السماء الدنيا، وأقرب أوقات الصلوات لهذا النزول هو وقت صلاة الفجر.
      صلاة الفجر محفل من محافل الخير، ومجمع من مجامع النور، فهي الصلاة المشهودة التي تشهدها الملائكة:" يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}، صلاة الفجر سمَّاها الله في هذه الآية الكريمة قرآناً إيذاناً بفضلها، وإعلاماً بشرفها، وإخباراً بمكانتها .
     صلاة الفجر أقسم الله بوقتها في كتابه:{وَالْفَجْرِ} بياناً لعظمته، وإشعاراً بجلالته، فهو من أهدأ الأوقات، وقت الصفاء والنقاء، توزّع فيه الأرزاق، وتتنزل فيه البركات، صلاة الفجر خروجك إليها في ظلمة الليل يورثك نوراً في يومٍ أنت بحاجة فيه إلى الأنوار، فهذا خيرٌ يُهدَى إليك، وبشرى تُزَفُّ بين يديك على لسان حبيب قلبي وقرة عيني صلى الله عليه وسلم:" بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، صلاة الفجر من يحضرها كان من الأطهار الأبرار الذين يكتبون في وفد الرحيم الرحمن، ويحظون بضيافة الكريم الغفار، فعند الطبراني وحسّنه:" مَنْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْفَجْرَ كُتِبَتْ صَلاتُهُ يَوْمَئِذٍ فِي صَلاةِ الأَبْرَارِ، وَكُتِبَ فِي وَفْدِ الرَّحْمَنِ ".
      صلاة الفجر مؤدِّيها يصبح في حفظ الله وجواره، ويظل يومه في أمانه وذمّته، ومن ذا الذي يتجرّأُ على إخفار ذمّة الله:" مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِيْ ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلاَ يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِيْ نَارِ جَهَنَّمَ "، صلاةِ الفجر محافظتك عليها وقيامك بها سببٌ يجعلك من أهل النّظر إلى وجه الله تبارك وتعالى، وهو أعظمُ نعيمٍ ينعم الله به على أهلِ الجنة، ألا تحبّ أن تكون إلى وجه الله من الناظرين، وممن هم عن ربهم ليسوا بمحجوبين؟ فاسمع قول الحبيب صلى الله عليه وسلم:" إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هذَا الْقَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا "، إنها صلاة الفجر والعصر؛ الصلاتان اللّتان تحجبان صاحبهما عن ولوج النار:" لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا "، إنّهما البردان اللّذان قـال فيهما صلى الله عليه وسلم:" مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ".
      صلاة الفجر فيها مضاعفة المثوبة وعظيم الأجر، فأداؤها في جماعة يعدل قيام ليلة:" مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِيْ جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِيْ جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ "، صلاة الفجر دليل الإيمان وعلامة الصدق وبراءة من النفاق أجارنا الله وعافنا:" لَيْسَ صَلاَةٌ أثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً "، ويكفي صلاة الفجر فخراً أنها خُصّت ركعتاها القبلية دون سائر الرواتب بالمحافظة عليها حضراً وسفراً، وهاتان الركعتان قال فيهما صلى الله عليه وسلم:" لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا " .
      صلاة الفجر نومك عنها يعرضك لعذاب الله وسخطه، ففي حديث رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، وهو في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال:" وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي عَلَيْهِ بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ بِهَا رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الْحَجَرُ هَاهُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ يَأْخُذُهُ، فَمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَل الْمَرَّةَ الْأُولَى، ثم ذكر له أنه هو: الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ "، صلاة الفجر نومك عنها يجعلك ممن استجاب لعدوّ الله إبليس وهو يعقِد على قافِية رأسِك عند نومك ثلاثَ عُقَد، يضرِب على كلِّ عُقدة: عليك ليلٌ طويل فارقد، وحينها تصبح خبيث النفس كسلان، مغضباً للرحمن، ملتحفا بالحرمان، رابحا للخسران، ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ:" ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِيْ أُذُنَيْهِ "، أترضى أيّها الحبيب أن تكون للشيطان أسيراً، وفي رحابه غادياً، مستحوذاً عليك ولك غالباً، صادّاً لك عن سماع الخير والهدى، داعياً لك إلى الهلاك والردى، ليكون مصيرك مصيره؛ جهنم هي المأوى .
      فيا أيّها الحبيب طهّر قلبك، وحاسب نفسك، وابعث جوارحك، وانهض بروحك، مستعيناً بربك، سائلاً منه عوناً ومدداً من عنده يوفّقك به لطاعته، ويعينك على ترك معصيته، ويجنبك غضبه وسخطه، ويعينك وينصرك على عدوّك وعدوّه، وفقنا الله لصراطه المستقيم وطريقه القويم، إنه سميع عليم . 

الخميس، 1 سبتمبر 2011

أخاطب حبك لله


أُخَاطِبُ حُبَّكَ لله


     صلاةُ يقوم إليها المحافظ عليها من لذيذ نومه ووثير فراشِه، تاركاً راحته لأن راحته في وقوفه بين يدي ربّه، شعاره قول حبيبه وقرّة عينه؛ النبي الكريم والرسول العظيم صلى الله عليه وسلم:" أَرِحْنَـا بِهَا يَا بِلَالُ، أَرِحْنَـا بِهَا يَا بِلَالُ "، يهزّه إليها حبُّ الله وجليل رجائه، ويحدوه خوفه من عقابه والرغبة في ثوابه، ويوقظه شكرُه لربّه وعِلمُه بعظيم نعمائه، لا يحرِّكه اتجاهها ويبعثه إليها سِوى طاعةٌ ربّه وابتغاء وجهه سبحانه وجزيل جزائه، وهذا هو عنوان الخير والهدى، وبرهان الدّين والتّقى .
     إنّها صلاة الفجر؛ وكثير هم الذين يضيّعون صلاة الفجر، وكأنها قد سقطت من قواميسهم، أو أنها أمر ثانويٌّ في حياتهم، يصلونها عند طلوع الشمس أو بعد طلوعها، أو لربما بعد انقضاء وقتها بساعات، ومنهم من يقوم بصلاتها قبل الظهر مباشرة، ولا يقضيها آخرون ظنّاً منهم أن وقتها قد خرج فلا تصلّى؛ وهذا من الجهل العظيم والخطأ الجسيم نسأل الله العافية .
     فيامن إذا سئلت: هل تحب الله ؟ أجبت بلا تردّد: نعم، ومن ذا الذي لا يحب الله؟ وحقّ لك لأنك مسلم؛ حبّ الله عليه فرض، لكن اعلم أيّها الحبيب أن للإيمان ذوق وطعم وحلاوة وعذوبة لا يجدها إلا من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فحبّ الله فوق كل حبٍّ، ومراده على كلِّ مراد .
     إن الواحد منّا إذا أحبّ آخر حبّـاً صادقـاً .. أحب لقاءه .. بل تجده يفكـّـر فيه معظم وقته، يعيش معه دقائق عمره وثواني حياته ... وكلما حانت لحظة اللقاء لم يستطع النوم، ولم يتمالك نفسه .. حتى يلاقي حبيبه .. والله تبارك وتعالى أعظم محبوب، وأجل مرغوب، وأكبر مرهوب جلّ في علاه .
    فبالله عليك؛ هذا الذي يتكاسل عن صلاة الفجر ويتهاون في أدائها هل يكون ممّن عَمُر قلبُه بحبّ الله؟ هل هو حقّاً ممّن يعظّمون الله ويريدون لقاءه، ويرجون رحمته ويخافون عذابه ؟ .
     سؤال أترك الجواب عليه لمن أدرك أهميّة الجواب وعِظَم السُّؤال، رزقنا الله حسن المآل .