الجمعة، 20 يوليو 2012

وجاء رمضان


       وَجَــاءَ رَمَضَــانُ



     الحمد لله الذي بلغنا رمضان، الحمد لله الذي بلغنا صيام أول يوم من رمضان، ونسأل الله أن يبلغنا تمامه وكماله، وأن يجعلنا ممن يصومه ويقومه إيمانا واحتسابا، اللهم اجعلنا ممن عتقت رقابهم من النار في أول ليلة من رمضان، وفي كل ليلة من رمضان، اللهم اجعلنا من السعداء المقبولين في رمضان، اللهم لا تجعلنا من الأشقياء المطرودين المحرومين في رمضان .

       جاء رمضان؛ وحق لمن أدرك رمضان أن يفرح ببلوغه رمضان، فإنها والله إنها لفرحة عظيمة، ومنة كريمة، أن يدرك الإنسان موسما يزداد فيه قربا من ربه جل في علاه، إنها رحمة وفضل من الله:{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}، نعمة عظيمة أن يدرك العبد هذا الموسم الكريم والشهر العظيم .

مرحبا أهلا وسهلا بالصـيـام  ****  يـــا حبيبـــا زارنـــا في كل عــــام
قــد لـقينــــاك بحــب مفعــــم  ****  كل حب في ما سوى المولى حرام
فاغفـــر اللـــهم منــــا ذنبنـــا  ****  ثــم زدنــا مــن عطـايــاك الجسـام

     جاء رمضان؛ وفيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد الشياطين في أول ليلة من ليالي رمضان، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِيْنُ "، وفي رواية:" وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِيْنُ " .

    جاء رمضان؛ موسم من مواسم البر والخيرات، والطاعة والقربات، شهر المنح الربانية، والعطايا الإلهية، نفحات ورحمات، ومكرمات وبركات .

أتى رمضان مـزرعـة العباد  ****  وتطهير القلوب من الفساد
فـــــأد حقــوقـه قـولا وفعــلا  ****  وزادك فـاتخـــذه للمعــــاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها  ****  تــأوه نـادمـا يوم الحصـاد

     جاء رمضان؛ وفي أول ليلة من ليالي رمضان ينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، يا من تريد سعادة الدنيا والآخرة أقبل، يا من تطمح في رضوان الله أقبل، يا من ترجو ما عند الله أقبل، يا من تسعى إلى جنة عرضها السماوات والأرض أقبل، يا من تريد العتق من النيران أقبل .

     جاء رمضان شهر التوبة والإنابة، شهر الاعتراف بالذنب، والإقرار بالخطيئة، شهر إعلان العجز والتقصير للعلي القدير، شهر الذلة والانكسار بين يدي الواحد القهار، العزيز الغفار، فيا من قصرت في حق ربك أقبل، ويا من أعرض عن الله أقبل، ويا تاركا للصلاة أقبل، ويا عاقا لوالديه، ويا قاطعا لأرحامه، يا من أذنب، ويا من أخطأ، أقبل على الله فيقبلك الله ويعتق رقبتك من النار فربك حيي ستير جواد كريم، يحب من عبده أن يتوب فيتوب عليه، ففي صحيح مسلم من حديث أبي موسى رضي الله عن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا " فيا عبد الله لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرت الله غفر لك على ما كان منك ولا يبالي سبحانه جل في علاه .

     جاء رمضان شهر الثورة على النفس والهوى والشيطان، لتتحرر الروح من قيود الشهوات والذنوب، فتسمو إلى باريها، فالإنسان بروحه لا بجسمه، وعزه وشرفه وسعادته في تعلق روحه بالله، واتصالها وأنسها به لا بسواه .

يا خـادم الجسـم كم تشقى لخـدمتــه  ****  أتعبت نفسـك فيما فيه خسـران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها  ****  فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

      جاء رمضان شهر العبودية لله، وتحقيق التقوى والتي هي أعظم وأجل ثمرة للصيام:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقٌونَ}، والتقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل، التقوى هي فعل المأمور على نور من الله ترجو ثواب الله، وترك المحذور على نور الله تخاف عقاب الله، التقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل ما يحبه ويرضاه، والبعد عما يبغضه ويسخطه .

     جاء رمضان شهر الصبر؛ صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، فهو شهر يربي النفس على الصبر بجميع أنواعه، ولذلك كان أجر الصائم مما لا يعلمه إلا الله، قال الله في الحديث القدسي:" إِلَّا الصَّومَ فَإِنَّهُ لِيْ وَأَنَا أَجْزِيْ بِهِ "، وقال سبحانه:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

    جاء رمضان شهر القرآن:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيْ أُنْزِلَ فِيْهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ}، فيا أهل القرآن ! ويا أمة القرآن ! أقبلوا على القرآن، فو الله وتالله وبالله إن في الإقبال عليه العز والشرف، والسمو والرفعة في الدنيا والآخرة .

    جعلنا الله من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وجعلنا من عتقائه في شهر الصيام، ونسأله سبحانه أن يبلغنا تمام الشهر وكماله كما بلغنا أوله، وأن يجعلنا ممن يصومه ويقومه إيمانا واحتسابا؛ إنه سميع قريب مجيب .

الأربعاء، 20 يونيو 2012

فقه الدليل



عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ البَدْرِيْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهِ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:" آخِرُ مَا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ " أخرجه ابن عساكر في تاريخه (120/53)، وابن أبي شيبة في مصنفه (25348)، وأخرجه البخاري في صحيحه (6120) بلفظ:" إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ .... " .
معنى الحديث
أثر عن الأنبياء المتقدمين، وتداوله الناس بينهم، وتوارثوه عنهم قرنا بعد قرن أنه: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، وللعلماء في معنى هذه الجملة قولان:
الأول: أنه أمر على معنى الذم والنهي عنه، فهو إما أمر بمعنى التهديد والوعيد والمعنى: إذا لم يكن لك حياء فاعمل ماشئت فإن الله يجازيك عليه، أو هو أمر ومعناه الخبر، والمعنى: أن من لم يستحي صنع ما شاء، فالمانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء في كل فحشاء ومنكر .
الثاني: أنه أمر بفعل ما يشاء على ظاهر لفظه، والمعنى: إذا كان الذي تريد فعله مما يستحيى من فعله لا من الله ولا من الناس، لكونه من أفعال الطاعات أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة فاصنع منه حينئذ ما شئت . انتهى ملخصا من كلام ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم .
فقه الحديث :
1ــ دليل على تعظيم أمر الحياء فهو من أعظم خصال الإيمان .
2ــ دليل على أن النبوات السابقة جاءت بأنه إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، واشتهر ذلك بين الناس حتى بلغ أول هذه الأمة .
3ــ دليل على أن الحياء مانع من فعل القبائح، فمن نزع حياؤه أقبل عليها، وانهمك فيها .
4ــ دليل على أن الحياء قرين الإيمان، فإذا رفع الحياء رفع الإيمان .

الأحد، 17 يونيو 2012

نعمة الدموع



 نِـــــعْمَــــــةُ الــــــدُّمُـــــــوعِ
     
     من رحمة الله بعباده أن أجرى مــــــآقيهم بالدمـــــــع، فالدمــوع من نعم الله العظيمة على عباده، فهي غسول للعينين عند تأذيهما  بشعرة أو غبار أو نحو ذلك، وبالدموع يعبر عن مكنونات النفوس سرورا وفرحا، أو حزنا وترحا، فتحل محل الحروف والكلمات، وتكون بدلا عن الجمل والعبارات، إنها الدموع .!! وصدق علي رضي الله عنه حين قــــال: ما دمعت عيــن إلا ووراءها قلــــب .
    إنها الدمـــــوع .. !! تسيل الدموع عند موت حبيب أو قريب، وما أجمل قول الأعور السلمي حين سالت دموع عينيه لفقد ابنه:

بَكَيْتُ بِعَينٍ لَيسَ فِيهَا غَضَاضَةٌ *** وَعَيـنٌ بِهَـا رَيبٌ مِـنَ الحَدَثَــانِ
عَذِيرُكِ يَا عَينِي الصَّحِيحَةُ بِالبُكَا *** فَمَـا لَـكِ يَـا عَــورَاءُ وَالهَمَـلَانِ

     إنها دموع الأتراح والأحزان لكن دون جزع ولا تسخط، بل مع التسليم بالقدر، والرضا بالقضاء، فلله ما أخذ، وله ما أعطى، وقد جرت دموع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم لموت ابنه إبراهيم فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت تبكي يا رسول الله ؟ فقال له صلى الله عليه وسلم:" يَا ابْنَ عَوفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ" ثم قال:" إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرضى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ، يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ " .

       تسيل الدموع عند فراق الأهل والإخوان، ووداع الأصحاب والخلان:

بَكَتْ عَينِي غَـدَاةَ البَينِ دَمْعـاً *** وَأُخْـرَى بِالبُــكَا بَخِلَتْ عَلَينَا
فَعَـاقَبْتُ الَّتِي بِالدَّمْـعِ ضَـنَّتْ *** بَـأَنْ أَغْمَضْتُهَـا يَـومَ الْتَقَينَــا

       هذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يزوران أم أيمن رضي الله عنها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك ؟ ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه و سلم . فقالت: والله ما أبكي ألا أكون أعلم ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه و سلم، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء . فهَيَّجَتْهُما على البكاء؛ فجعلا يبكيان، بكوا جميعا لفراق الوحي وانقطاعه .

      تسيل الدموع فرحا بقدوم غائب، وتفريج كرب وشدة، وانكشاف بلاء ومحنة، والبشر بما يفرح ويسر، قد يغمر الإنسان السرور والفرح فلا يستطيع أن يعبر عن ذلك بابتسامة ولا ضحكة وإنما تنهمر منه الدمعات، وتخنقه العبرات، فهذا أبو بكر رضي الله عنه لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد أذن له في الهجرة، قال: الصحبة يا رسول الله ؟ بأبي أنت أمي ! .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" نَعَمْ "، فبكى أبو بكر رضي الله عنه سرورا وفرحا،  قالت عائشة رضي الله عنها: فرأيت أبا بكر يبكي، وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي . ولله در القائل:

وَرَدَ الكِتَـــــــــابُ مِـنَ الحَبَيبِ بِأَنَّـهُ *** سَيَـزُورُنِي فَاسْتَعْبـَـرَتْ أَجْفَــــانِي
طَفِــحَ السُّــــرُورُ عَلَيَّ حَـتَّى أَنَّنِي *** مِنْ فَـرْطِ مَا قَـدْ سَـرَّنِيْ أَبْكَـانِيْ
يَا عَينُ صَارَ الدَّمْعُ عِنْدَكِ عَادَةً *** تَبْكِينَ مِـنْ فَــرَحٍ وَمِنْ أَحْــزَانِ

     أبي بن كعب رضي الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيكَ {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا}، قال أبي رضي الله عنه: وَسَمَّانِي. قال صلى الله عليه وسلم:" نَعَمْ"، فبكى رضي الله عنه فرحا بما منَّ الله عليه به من الثناء عليه في الملأ الأعلى.

     تسيل الدموع لجفاء صديق، وظلم ظالم، وافتراء مفتر فهذه عائشة العفيفة الطاهرة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها، في لما تكلم في عرضها ورميت بما هي منه براء براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب عليهما السلام سالت دموعها من هذه الفرية العظيمة، تقول رضي الله عنها محدثة عن حالها وجريان دمعها: وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع، يظنان أبواي أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي ـ أي أبواها رضي الله عنهما ـ وأنا أبكي؛ فاستأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي . إنها الدموع حين تعجز الألسنة عن الكلام، وتخرس عن النطق تجري لتخط عبارات يعجز اللسان عن التعبير بمثلها، فحمدا لك يا رب على نعمك العظيمة وآلائك الجسيمة .

    إن أجل الدموع، وأفضل الدموع، وأجمل الدموع، هي تلك الدموع التي تسيل وتنهمر خشية لله وتعظيما، إنها تلك الدموع التي إذا وقف صاحبها أمام جلال الله سبحانه انهمرت، وإذا تذكر عظمة الله عيناه بها اغرورقت، فعينان لا تمسهما النار: عين باتت تحرس في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، فهنيئا لمن سال دمعه من خشية مولاه، ويا سعادة من ذرف دمعه تعظيما لله .
    تدمع العين توبة وإنابة لله اعترافا بالذنب وإقرارا بالخطأ، وتدمع العين تأثراً بالقرآن كلام الله، فهو الحق والداعي إلى الحق، تدمع العين تأثرا عند سماعه، وتقبل الجوارح والأركان على أخذه بقوة علما وعملا:{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ}[المائدة:83ــ84]، وتدمع العين حسرة وأسفا وكمدا وألما عند عجز المسلم الصادق المخلص عن النفقة والبذل والعطاء في سبيل الله لإعلاء كلمة ونصرة لدين الله، ولذا ذكر الله سبحانه عذر من هذا شأنه في كتابه الكريم، فقال سبحانه:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}[التوبة:92] .

جعلنا الله من أهل خشيته وتقواه، وممن وسعتهم رحمته ورضاه .



السبت، 9 يونيو 2012

فقه الدليل




عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:" آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ . فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لاَ أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ . أخرجه مسلم في صحيحه رقم (507)، وأحمد في مسنده رقم (12420) .
فقــــــه الحــــديث:
1ـــ دليل على فضل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
2ـــ دليل على أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أول من يدخل الجنة .
3ــ دليل على إثبات شفاعته صلى الله عليه وسلم في دخول أهل الجنة إلى الجنة .
4ــ دليل في الرد على من زعم أن أبواب الجنة مفتوحة دائما، ولكنها تفتح لنبينا صلى الله عليه وسلم أولا فيأتي أهل الجنة فيجدونها مفتوحة لهم جعلنا الله منهم .
5ـــ دليل على أن من الأدب أن يطرق الداخل دارا بابه، فإذا سئل من الطارق ؟ أخبر باسمه، ولا يجوز له أن يقول: أنا، فقد جاء النهي عنه . 

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2011

أَفْضَـلُ أَيَّـامِ الدُّنْيَـا




أَفْضَـلُ أَيَّـامِ الدُّنْيَـا



    ها نحن على مشارف موسم عظيم من مواسم البر والطاعات، إنه موسم من مواسم الخير والمغفرة, أيام تضاعف فيها الحسنات، وتتنزل فيها الرّحمات، وتقال فيها العثرات .
     إنه موسم أيامه معلومة، ولياليه معدودة، لكنها عظيمة الفضل، كثيرة الأجر، عليّة المكانة، جليلة المنزلة، إنه موسم شرفه وعظمته بتشريف الله وتعظيمه له، أقسم الله تبارك وتعالى به في كتابه، وعظّم شأنه، ورفع مكانته، وأعلى منزلته، فقال سبحانه وتعالى:{ وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ }[الفجر:1-2]، إنها الأيام المعلومات التي ذكرها الله في قوله:{ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }[الحج:28].
    إنها العشر الأول من ذي الحجة؛ أفضل أيام الدنيا، روى البزار في مسنده وصححه الألباني عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَفْضَلُ أَيَّامِ الْدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ، يَعْنِي عَشْرُ ذِي الحْجَّةِ "، قرنها الله تبارك وتعالى في قسمه بها بأفضل الأوقات، فقال سبحانه:{ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ }[الفجر:1ـ5]، قرنها سبحانه بالفجر، وبالشفع والوتر، وبالليل إذا يسر، والقرين بالمقارن يقتدي، أما اقترانها بالفجر فلأنه متنفس الحياة، بحلوله تعود الحياة إلى الأبدان بعد الموت، ويتنفس الصبح بعد عسعسة الليل، وتنفلق الأنوار بعد غشيان الظلام الدّامس، وتدبّ الحركة بعد السكون والركود، وقت الفجر تجتمع فيه الملائكة:{ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا }[الإسراء:78]، وقت الفجر به يتميز أهل الإيمان من أهل النفاق، ويكفي الفجر شرفاً وفخراً أنه أقرب الأوقات إلى النزول الإلهي، إذ ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولا يليق بجلاله وعظمته. وأما اقترانها بالشفع والوتر فلأنهما العددان المكوِّنان للمخلوقات، فما من مخلوق إلا وهو شفع أو وتر، أو أن الشفع هو المخلوقات جميعها، والوتر هو الله تبارك وتعالى وحده، وحتى العشر فيها شفع ووتر، فالشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة. وأما اقترانها بالليل فلفضله وشرفه، فقد ذكر في القرآن أكثر من النهار، وقدم عليه أكثر من سبعين مرة، إنه أفضل وقت لنافلة الصلاة، وقيام المؤمن فيه بين يدي ربه شرف له، وهو أقرب إلى إجابة الدعاء ومغفرة الذنوب:" هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ".
      إنها أفضل أيام الدنيا لأنها تجتمع فيها أمهات العبادات، فليس أيام يمكن فيها اجتماع أمهات العبادات سواها، ففيها تجتمع الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وقيام الليل وذكر الله والدعاء، والإنفاق، والجهاد في سبيل الله، والشفقة بالمحتاجين والضعفاء، والرحمة بالمساكين والفقراء، وبر الوالدين وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وغير ذلك من أنواع العبادات، فهذه العبادات وغيرها لا يمكن أن تجدها مجتمعة إلا في هذه الأيام، ولذلك كانت هذه الأيام أفضل أيام الدنيا.
   إنها أفضل أيام الدنيا؛ العمل الصالح فيها أفضل منه في غيرها، ففي الصحيح من حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "ما الْعَمَلُ في أَيَّامِ العشرِ أَفْضَلُ من العمل في هذه، قالوا: ولا الْجِهَادُ؟ قال: ولا الْجِهَادُ إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فلم يَرْجِعْ بِشَيْءٍ" رواه البخاري. وفي لفظ لأبي داود وأحمد في المسند: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوْا: يَا رَسُولَ الله، وَلَا الْجِهَادُ فِيْ سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِيْ سَبِيلِ اللهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ " وفي رواية للدارمي:" مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِيْ عَشْرِ الْأَضْحَى " فالنبي صلى الله عليه وسلم يرغبنا ويحثنا على العمل الصالح في هذه الأيام، إذ العمل فيها يشرف ويفضل عن العمل في غيرها؛ وهو لأهل الأمصار بشرف الزمان ولحجاج بيت الله الحرام بشرف الزمان والمكان.
     أفضل أيام الدنيا لأن فيها يوم عرفة اليوم المشهود الذي يتنزل الله عشيته فيباهي بأهل الموقف ملائكته، ويقول سبحانه:" انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِّينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ "، إنه يوم العتق من النيران:" فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ "، يوم عرفة يوم الابتهال والدعاء، فـ:"ـخَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ"، يوم عرفة صيامه لغير الحاج؛ يقول صلى الله عليه وسلم:" أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِيْ قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِيْ بَعْدَهُ ".
    أفضل أيام الدنيا لأن فيها أعظم الأيام عند الله، يوم النحر، اليوم العاشر، يوم عيد الأضحى المبارك، يوم الحج الأكبر، فيه معظم أعمال الحج من رمي الجمار، وحلق الرأس أو التخفيف، وذبح الهدي، والطواف، والسعي، وصلاة العيد، وذبح الأضحية.
    أفضل أيام الدنيا لأنها الأعظم عند الله والأحب إليه من غيرها، ثوانيها ودقائقها، لحظاتها وساعاتها، لياليها وأيامها، عند أحمد في المسند والبيهقي في الشعب بسند صحيح من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ الله وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ فِيهِنَّ الْعَمَلُ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ: الْعَشْرِ -أي عَشْر ذِي الحجة- فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيْحِ, وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ "، إنها أيام الإكثار من التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد تعظيماً لله وتمجيداً، وتنزيهاً له وتوحيداً، ولذلك كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا.
    إنها أفضل أيام الدنيا لأن الله سبحانه أكمل لنا فيها الدين وأتم علينا فيها النعمة:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }[المائدة:3]، فُتِحَت قلوبٌ غلفاً، وأُبْصِرَتْ أَعيُنٌ عُمياً، وسَمِعَت آذانٌ صُمّاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وظهر الإسلام ديناً يلوح في آفاق المعمورة، وارتفعت منارته في سماء الكون:{ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا }[الفتح:28]، لقد بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
    إنها أيام فاضلة، وليال شريفة، ودقائق مباركة وساعات عامرة بذكر الله وشكره، فنحن مدعوون فيها إلى تلمّس رحمة الله والسعي إلى مرضاته وفضله، والتعرّض لنفحاته ومنحه وعطاياه سبحانه وتعالى.
    هذه نبذة لطيفة وإطلالة سريعة على تلك الأيام المباركات الفاضلات تستنفر الهمم وتنفض غبار الغفلة، إننا أحوج ما نكون في هذه العشر إلى المبادرة بطاعة الرحيم الرحمن والمسارعة إلى رضا الكريم المنان، والتخلق فيها بأخلاق القرآن، والابتعاد فيها كل البعد عن سبل الشيطان، وهذا ينبغي أن يكون ديدناً للعبد في سائر الأزمان، لكنه في أشرفها وأعظمها وأجلها وأفضلها كهذه الأيام العشر ينبغي أن يكون أكثر جدّاً واجتهاداً، فشمروا وبادروا، وسارعوا وسابقوا، واصبروا وصابروا، واجتهدوا ونافسوا:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }[الحديد:21]، { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }[آل عمران:133]، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[المطففين:26]، عظموا هذه الأيام بالمبادرة فيها إلى الخيرات، واقدروها حق قدرها كما عظمها الله تبارك تعالى وفضلها على سائر الأيام، أدُّوا فيها فرائض الله سبحانه، وعظّموا حرماته، وقفوا عند حدوده:{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ }[الحج:30]، { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ }[الحج:32]. فاتقوا الله ربكم، واستعدوا لما تستقبلونه من عشركم، واعلموا أن مشقة العمل الصالح وإن عظمت فإنها تزول ويبقى الثواب والأجر، ولذة المعصية والذنب وإن طالت فإنها تنتهي ويبقى العقاب والوزر، ومن الغبن والخسران أن تكون أفضل أيام الدنيا؛ هذه الأيام العشر المباركة عند الناس كسائر الأيام، فلا يعظّمونها كما عظّمها الله تعالى، ويغفلون عن قدرها ومنزلتها، ولا يخصونها بمزيد من البر والعمل الصالح والاجتهاد في عبادة الله، وفعل ما يرضيه ويقرّب منه سبحانه، فكيف بمن قضاها في البعد عن الله بارتكاب معاصيه أجارنا الله وعافانا، وجعلنا من أهل رحمته ومغفرته إنه سميع قريب مجيب.