الثلاثاء، 25 أكتوبر 2011

أَفْضَـلُ أَيَّـامِ الدُّنْيَـا




أَفْضَـلُ أَيَّـامِ الدُّنْيَـا



    ها نحن على مشارف موسم عظيم من مواسم البر والطاعات، إنه موسم من مواسم الخير والمغفرة, أيام تضاعف فيها الحسنات، وتتنزل فيها الرّحمات، وتقال فيها العثرات .
     إنه موسم أيامه معلومة، ولياليه معدودة، لكنها عظيمة الفضل، كثيرة الأجر، عليّة المكانة، جليلة المنزلة، إنه موسم شرفه وعظمته بتشريف الله وتعظيمه له، أقسم الله تبارك وتعالى به في كتابه، وعظّم شأنه، ورفع مكانته، وأعلى منزلته، فقال سبحانه وتعالى:{ وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ }[الفجر:1-2]، إنها الأيام المعلومات التي ذكرها الله في قوله:{ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }[الحج:28].
    إنها العشر الأول من ذي الحجة؛ أفضل أيام الدنيا، روى البزار في مسنده وصححه الألباني عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَفْضَلُ أَيَّامِ الْدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ، يَعْنِي عَشْرُ ذِي الحْجَّةِ "، قرنها الله تبارك وتعالى في قسمه بها بأفضل الأوقات، فقال سبحانه:{ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ }[الفجر:1ـ5]، قرنها سبحانه بالفجر، وبالشفع والوتر، وبالليل إذا يسر، والقرين بالمقارن يقتدي، أما اقترانها بالفجر فلأنه متنفس الحياة، بحلوله تعود الحياة إلى الأبدان بعد الموت، ويتنفس الصبح بعد عسعسة الليل، وتنفلق الأنوار بعد غشيان الظلام الدّامس، وتدبّ الحركة بعد السكون والركود، وقت الفجر تجتمع فيه الملائكة:{ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا }[الإسراء:78]، وقت الفجر به يتميز أهل الإيمان من أهل النفاق، ويكفي الفجر شرفاً وفخراً أنه أقرب الأوقات إلى النزول الإلهي، إذ ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولا يليق بجلاله وعظمته. وأما اقترانها بالشفع والوتر فلأنهما العددان المكوِّنان للمخلوقات، فما من مخلوق إلا وهو شفع أو وتر، أو أن الشفع هو المخلوقات جميعها، والوتر هو الله تبارك وتعالى وحده، وحتى العشر فيها شفع ووتر، فالشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة. وأما اقترانها بالليل فلفضله وشرفه، فقد ذكر في القرآن أكثر من النهار، وقدم عليه أكثر من سبعين مرة، إنه أفضل وقت لنافلة الصلاة، وقيام المؤمن فيه بين يدي ربه شرف له، وهو أقرب إلى إجابة الدعاء ومغفرة الذنوب:" هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ".
      إنها أفضل أيام الدنيا لأنها تجتمع فيها أمهات العبادات، فليس أيام يمكن فيها اجتماع أمهات العبادات سواها، ففيها تجتمع الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وقيام الليل وذكر الله والدعاء، والإنفاق، والجهاد في سبيل الله، والشفقة بالمحتاجين والضعفاء، والرحمة بالمساكين والفقراء، وبر الوالدين وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وغير ذلك من أنواع العبادات، فهذه العبادات وغيرها لا يمكن أن تجدها مجتمعة إلا في هذه الأيام، ولذلك كانت هذه الأيام أفضل أيام الدنيا.
   إنها أفضل أيام الدنيا؛ العمل الصالح فيها أفضل منه في غيرها، ففي الصحيح من حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "ما الْعَمَلُ في أَيَّامِ العشرِ أَفْضَلُ من العمل في هذه، قالوا: ولا الْجِهَادُ؟ قال: ولا الْجِهَادُ إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فلم يَرْجِعْ بِشَيْءٍ" رواه البخاري. وفي لفظ لأبي داود وأحمد في المسند: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوْا: يَا رَسُولَ الله، وَلَا الْجِهَادُ فِيْ سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِيْ سَبِيلِ اللهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ " وفي رواية للدارمي:" مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِيْ عَشْرِ الْأَضْحَى " فالنبي صلى الله عليه وسلم يرغبنا ويحثنا على العمل الصالح في هذه الأيام، إذ العمل فيها يشرف ويفضل عن العمل في غيرها؛ وهو لأهل الأمصار بشرف الزمان ولحجاج بيت الله الحرام بشرف الزمان والمكان.
     أفضل أيام الدنيا لأن فيها يوم عرفة اليوم المشهود الذي يتنزل الله عشيته فيباهي بأهل الموقف ملائكته، ويقول سبحانه:" انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِّينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ "، إنه يوم العتق من النيران:" فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ "، يوم عرفة يوم الابتهال والدعاء، فـ:"ـخَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ"، يوم عرفة صيامه لغير الحاج؛ يقول صلى الله عليه وسلم:" أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِيْ قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِيْ بَعْدَهُ ".
    أفضل أيام الدنيا لأن فيها أعظم الأيام عند الله، يوم النحر، اليوم العاشر، يوم عيد الأضحى المبارك، يوم الحج الأكبر، فيه معظم أعمال الحج من رمي الجمار، وحلق الرأس أو التخفيف، وذبح الهدي، والطواف، والسعي، وصلاة العيد، وذبح الأضحية.
    أفضل أيام الدنيا لأنها الأعظم عند الله والأحب إليه من غيرها، ثوانيها ودقائقها، لحظاتها وساعاتها، لياليها وأيامها، عند أحمد في المسند والبيهقي في الشعب بسند صحيح من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ الله وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ فِيهِنَّ الْعَمَلُ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ: الْعَشْرِ -أي عَشْر ذِي الحجة- فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيْحِ, وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ "، إنها أيام الإكثار من التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد تعظيماً لله وتمجيداً، وتنزيهاً له وتوحيداً، ولذلك كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا.
    إنها أفضل أيام الدنيا لأن الله سبحانه أكمل لنا فيها الدين وأتم علينا فيها النعمة:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }[المائدة:3]، فُتِحَت قلوبٌ غلفاً، وأُبْصِرَتْ أَعيُنٌ عُمياً، وسَمِعَت آذانٌ صُمّاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وظهر الإسلام ديناً يلوح في آفاق المعمورة، وارتفعت منارته في سماء الكون:{ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا }[الفتح:28]، لقد بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
    إنها أيام فاضلة، وليال شريفة، ودقائق مباركة وساعات عامرة بذكر الله وشكره، فنحن مدعوون فيها إلى تلمّس رحمة الله والسعي إلى مرضاته وفضله، والتعرّض لنفحاته ومنحه وعطاياه سبحانه وتعالى.
    هذه نبذة لطيفة وإطلالة سريعة على تلك الأيام المباركات الفاضلات تستنفر الهمم وتنفض غبار الغفلة، إننا أحوج ما نكون في هذه العشر إلى المبادرة بطاعة الرحيم الرحمن والمسارعة إلى رضا الكريم المنان، والتخلق فيها بأخلاق القرآن، والابتعاد فيها كل البعد عن سبل الشيطان، وهذا ينبغي أن يكون ديدناً للعبد في سائر الأزمان، لكنه في أشرفها وأعظمها وأجلها وأفضلها كهذه الأيام العشر ينبغي أن يكون أكثر جدّاً واجتهاداً، فشمروا وبادروا، وسارعوا وسابقوا، واصبروا وصابروا، واجتهدوا ونافسوا:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }[الحديد:21]، { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }[آل عمران:133]، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[المطففين:26]، عظموا هذه الأيام بالمبادرة فيها إلى الخيرات، واقدروها حق قدرها كما عظمها الله تبارك تعالى وفضلها على سائر الأيام، أدُّوا فيها فرائض الله سبحانه، وعظّموا حرماته، وقفوا عند حدوده:{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ }[الحج:30]، { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ }[الحج:32]. فاتقوا الله ربكم، واستعدوا لما تستقبلونه من عشركم، واعلموا أن مشقة العمل الصالح وإن عظمت فإنها تزول ويبقى الثواب والأجر، ولذة المعصية والذنب وإن طالت فإنها تنتهي ويبقى العقاب والوزر، ومن الغبن والخسران أن تكون أفضل أيام الدنيا؛ هذه الأيام العشر المباركة عند الناس كسائر الأيام، فلا يعظّمونها كما عظّمها الله تعالى، ويغفلون عن قدرها ومنزلتها، ولا يخصونها بمزيد من البر والعمل الصالح والاجتهاد في عبادة الله، وفعل ما يرضيه ويقرّب منه سبحانه، فكيف بمن قضاها في البعد عن الله بارتكاب معاصيه أجارنا الله وعافانا، وجعلنا من أهل رحمته ومغفرته إنه سميع قريب مجيب.

الأحد، 16 أكتوبر 2011

الحمل الثقيل


الحِمْـلُ الثَّقِيْـلُ
     حِملٌ ثقيل وواجبٌ جليل، تكليف جسيم وأمر عظيم، عرض على الكون كل الكون؛ سمائه وأرضه وجباله، فوجلن من حمله، وأشفقن من تكلفه، وأبين أن يقمن به، خوفاً من عدم القيام بحقه، وسلامة من عذاب الله وسخطه، وحمل هذا الحِمل الكبير والأمر الخطير الإنسان جنس الإنسان:{ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَـاواتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَـانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذّبَ اللَّهُ الْمُنَـافِقِينَ وَالْمُنَـافِقَـاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَـاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}، إنها الأمانة عباد الله !! المنافقون والمنافقات قاموا بها ظاهرًا وتركوها باطناً، والمشركون والمشركات تركوها ظاهراً وباطناً، وهؤلاء هم الذين توعدهم الله بالعذاب الأليم، والعقاب المقيم، وقدم المنافقون لأنهم أخطر فهم عدو خفي، وأما المؤمنون والمؤمنات فأولئك هم الذين قاموا بالأمانة ظاهراً وباطناً، وهم في أدائها والقيام بها بين ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله؛ لكنهم مع إنابتهم إلى ربهم وإقبالهم عليه يتوب عليهم ويغفر للمقصّر منهم وهذا من كمال رحمة الله ومغفرته، فسبحان من وسع كل شيء رحمةً وعلماً، ولذلك ختم الله الآية الكريم بالاسمين الكريمين العظيمين الجليلين، الغفور الرحيم، حتى أهل الشرك والنفاق إن تابوا وأنابوا رفع عنهم العذاب ولم ينزل بهم العقاب بل يبدل سيئاتهم حسنات، فسبحان الله العظيم الكريم التواب الغفور الرحيم.
     أخي الكريم: من الناس من قصر فهمه عن معنى الأمانة فظن أنها محصورة في الودائع المالية والمادية فحسب، وهذا مفهوم قاصر ضَيَّقَ به واسعاً، بل الأمانة بمفهومها الشامل، وتعريفها الكامل الذي يوافق مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم أنها: التكاليف الشرعية جميعها، إنها الدين كله، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:" لَا إِيْمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِيْنَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ "، إنها تتعلق بحقوق الله وحقوق العباد؛ ولا تقتصر على أحدهما دون الآخر، فمن أداها له الثواب، ومن ضيعها استحق العقاب .
     إنها الأمانة بالمفهوم الشامل الواسع الذي به تعم جميع وظائف الدين، فتأدية الواجبات أمانة، وترك المنهيات أمانة، الفرائض أمانة، وحدود الله أمانة، والعلم أمانة، والدعوة أمانة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانة، والإمارة والحكم أمانة، والوظائف والحصول عليها بعد طلبها أمانة، والودائع المالية والمادية أمانة، وحماية الدين والدفاع عن حياضه أمانة، ورعاية حقوق الشعوب أمانة، والدماء والأموال والأعراض أمانة، وصيانة الوطن المسلم والدفاع عنه وحماية ممتلكات المجتمع كل ذلك أمانة .
     لقد حذر الله من الخيانة في الأمانة وتوعد وهدد بأبلغ لفظ وأوجز كلام:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
     أخي في الله: إنك إذا تأملت كلمة الأمانة ستجد فيها معنى عظيماً، ستجد فيها معنى الأمان والاطمئنان، فكأن الأمن والسكينة، والراحة والطمأنينة، والاستقرار والسلامة؛ كل ذلك منوط ومرهون بتحقيق الأمانة بمفهومها الشامل الواسع .
     إننا نعيش زمان ضياع الأمانة، وضياعها بأن يوسد الأمر إلى غير أهله كما قال صلى الله عليه وسلم . 
     جعلنا الله من أهل الأمانة، وممن حفظ الأمانة وأدى حقها فيها، وجعلنا سبحانه من أهل الأمن والأمان والإسلام والإيمان في الدنيا والآخرة إنه سميع قريب وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين .  

الخميس، 22 سبتمبر 2011

الشعب يريد إسقاط ...!!؟؟

  الشَّعْبُ يُرِيْدُ إِسْقَاطَ ...!!!؟؟ 

     لقد ثارت شعوب وانتفضت أقطار، ثارت على الطغيان والجبروت والاستعباد، ثارت لتنال حريّتها، فكم استُعْبِدَت سنيناً، واضْطُّهِدَت أعواماً، آن لها أن تدفع الظلم وتغلبه، وتذلّ الطغيان وتهينه، وتقمع الباطل وتهزمه، وهذا ما حدث وحصل فيما سمّي بربيع الثورات العربية، إنها الثورة لأجل الحريّة ... وما أغلى الحريّة، ارتفعت الشعارات التي تنادي بإسقاط تلك الأنظمة المستبدّة، والحكومات الجائرة، لقد امتلأت آفاق تلك الأقطار، ورجّت أرجاء تلك البلدان: الشعب يريد إسقاط النظام، الشعب يريد إسقاط الرئيس . 
      ومن وحي ربيع تلك الثورات العربية؛ كما انتفضت تلك الشعوب لأجل الحرية؛ وما أغلى الحرية !! وما أجمل الحرية !! كما ثارت تلك الشعوب لإسقاط تلك الأنظمة المستبدّة، هناك ثورة ينبغي على الشعوب أن تسعى جاهدة في إشعال شرارتها، وتصطلي بقبسها، ثورة ينبغي على الشعوب كل الشعوب أن تشارك فيها، بجميع فئاتها ذكوراً وإناثاً، شيباً وشباباً، إنها ثورة مُطالبٌ بها جميع شرائح شعوب المعمورة، الإنسان جنس الإنسان، بأيّ لون أو صفة، ومن أيّ قطر أو بلد، وأيّاً كانت لغته أو لهجته، إنها ثورة الإنسانية أجمع ... إن كانت ثورة بعض البلاد العربية لأجل الحريّة، فهذه الثورة لأجل تحقيق أغلى الحريّات وأعلاها، وأعظمها وأسماها، وأثمنها وأرقاها، إن كانت ثورة بعض البلاد العربية لإسقاط نظام مستبدٍّ، فهذه الثورة لإسقاط رأس الشرور وعنوان الاستبداد، إنّها ثورة تختلف عن الثورات العربية لأنها مقدمّة عليها، إذ هي الأساس الذي تبنى عليه، والأصل الذي تنتسب إليه .
     إن هذه الثورة أخي الحبيب هي ثورة لتحقيق الحريّة من عبوديّة غير الله إلى عبوديّة الله، إذ العبوديّة لغير الله سبحانه تعاسة وشقاء، وحرمان وبلاء، وخسران الآخرة والأولى:" تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطََ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ "، إنها ثورة لتحقيق العبودية لله؛ والسعادة الدنيوية والأخروية الأبديّة السرمديّة منوطة بالتزام عتبة عبوديّة الله سبحانه، فمن لزم عتبة العبودية نال السعادة الأبديّة، ثورة لإسقاط الذنوب والخطايا بالانتصار على الطواغيت، ورأس الطواغيت إبليس:{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ }[يس:60ـ61]، ثورة لتحقيق الحرية من عبودية النفس التي بين جنبيك:{ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ }[يوسف:53]، ثورة لتحقيق الحريّة من عبوديّة الهوى، فقتيل الهوى خاسر محروم:{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }[الجاثية:23]، إنها ثورة على طغيان النفس والهوى والشيطان والشهوات:{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }[آل عمران:14]، المرجع إلى الله سبحانه شئنا أم أبينا فلا مردّ لنا إلا إليه، فلم لا يكون الرجوع منّا إلى الله سبحانه ونحن ما زلنا في زمن الإمهال عن طواعية وتذلل وخضوع واستسلام، لأن إخلاص العبودية لله على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفيل بتحريرنا من عبوديّة غير الله، وهو كذلك كفيل بتصحيح مسار ثوراتنا على الطواغيت البشرية التي حكمت رقاب العباد بغير حكم الله الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساستهم بغير منهج الله، تركت كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقـادتهم بحثالة أذهان البشـرية، وزبـالة أفكار الإنسانية؛ شرقية كانت أم غربية:{ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }[ المائدة:50] .
     والله وبالله وتالله إن عزّنا وسموّنا وعلوّنا ورفعتنا ومجدنا وسعادتنا في العبودية لله والأخذ بوحي الله؛ كتاباً وسنةً:{ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }[الأنبياء:10]، إنه الشرف العظيم الذي سنسأل عن تضييعه وهجره وعدم التمسّك والأخذ به:{ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ }[الزخرف:44]، أما آن لنا أن نرفع شعار: الشعب يريد إسقاط الذنوب، حريّة حريّة خالصة لله، حريّة حريّة توبة لله:{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ }[الحديد:16] .
     الله سبحانه يحب منّا أن نسقط ذنوبنا بالتوبة إليه والإقبال عليه:{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }[الزمر:53]، بل إن الله سبحانه يفرح منّا أن نبذل الجهد ونشمّر عن ساعد الجدّ لإسقاط ذنوبنا:" لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ؛ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِيْ ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِيْ وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ " .
    فنسأل الله سبحانه أن يسقط عنا ذنوبنا بغفرانها، ويزيل عنا سيئاتنا بتكفيرها، ويذهب عنا عيوبنا بتطهيرها، ويرحمنا برحمته، ويحررنا من كل عبوديّة إلا عبوديّته؛ إنه سميع قريب مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين .

الجمعة، 2 سبتمبر 2011

لماذا صلاة الفجر


لِمَاذَا صَلَاةُ الْفَجْرِ ؟!  


      صلاة الفجر هي الفاتحة لكل يوم في حياة المسلم، تعليماً وإشعاراً له أن يبدأ كل أموره بطاعة الله، والإقبال عليه، والقرب منه، والإنابة إليه، شكراً له على نعمائه، واعترافاً منه بفضله، صلاة الفجر هي صلاة المجاهدة وكل الصلوات كذلك؛ لكنّ الفجر أعظمها مجاهدة، وأهل المجاهدة للهدى موفَّقُون، وبمعيَّةِ الله سبحانه يفخرون:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، صلاة الفجر هي أقرب الصلوات إلى الله سبحانه إذ ينزل الرب تبارك وتعالى في الثلث الأخير من الليل نزولاً يليق بجلاله إلى السماء الدنيا، وأقرب أوقات الصلوات لهذا النزول هو وقت صلاة الفجر.
      صلاة الفجر محفل من محافل الخير، ومجمع من مجامع النور، فهي الصلاة المشهودة التي تشهدها الملائكة:" يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}، صلاة الفجر سمَّاها الله في هذه الآية الكريمة قرآناً إيذاناً بفضلها، وإعلاماً بشرفها، وإخباراً بمكانتها .
     صلاة الفجر أقسم الله بوقتها في كتابه:{وَالْفَجْرِ} بياناً لعظمته، وإشعاراً بجلالته، فهو من أهدأ الأوقات، وقت الصفاء والنقاء، توزّع فيه الأرزاق، وتتنزل فيه البركات، صلاة الفجر خروجك إليها في ظلمة الليل يورثك نوراً في يومٍ أنت بحاجة فيه إلى الأنوار، فهذا خيرٌ يُهدَى إليك، وبشرى تُزَفُّ بين يديك على لسان حبيب قلبي وقرة عيني صلى الله عليه وسلم:" بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، صلاة الفجر من يحضرها كان من الأطهار الأبرار الذين يكتبون في وفد الرحيم الرحمن، ويحظون بضيافة الكريم الغفار، فعند الطبراني وحسّنه:" مَنْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْفَجْرَ كُتِبَتْ صَلاتُهُ يَوْمَئِذٍ فِي صَلاةِ الأَبْرَارِ، وَكُتِبَ فِي وَفْدِ الرَّحْمَنِ ".
      صلاة الفجر مؤدِّيها يصبح في حفظ الله وجواره، ويظل يومه في أمانه وذمّته، ومن ذا الذي يتجرّأُ على إخفار ذمّة الله:" مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِيْ ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلاَ يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِيْ نَارِ جَهَنَّمَ "، صلاةِ الفجر محافظتك عليها وقيامك بها سببٌ يجعلك من أهل النّظر إلى وجه الله تبارك وتعالى، وهو أعظمُ نعيمٍ ينعم الله به على أهلِ الجنة، ألا تحبّ أن تكون إلى وجه الله من الناظرين، وممن هم عن ربهم ليسوا بمحجوبين؟ فاسمع قول الحبيب صلى الله عليه وسلم:" إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هذَا الْقَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا "، إنها صلاة الفجر والعصر؛ الصلاتان اللّتان تحجبان صاحبهما عن ولوج النار:" لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا "، إنّهما البردان اللّذان قـال فيهما صلى الله عليه وسلم:" مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ".
      صلاة الفجر فيها مضاعفة المثوبة وعظيم الأجر، فأداؤها في جماعة يعدل قيام ليلة:" مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِيْ جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِيْ جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ "، صلاة الفجر دليل الإيمان وعلامة الصدق وبراءة من النفاق أجارنا الله وعافنا:" لَيْسَ صَلاَةٌ أثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواًويكفي صلاة الفجر فخراً أنها خُصّت ركعتاها القبلية دون سائر الرواتب بالمحافظة عليها حضراً وسفراً، وهاتان الركعتان قال فيهما صلى الله عليه وسلم:" لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا " .
      صلاة الفجر نومك عنها يعرضك لعذاب الله وسخطه، ففي حديث رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، وهو في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال:" وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي عَلَيْهِ بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ بِهَا رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الْحَجَرُ هَاهُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ يَأْخُذُهُ، فَمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَل الْمَرَّةَ الْأُولَى، ثم ذكر له أنه هو: الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ "، صلاة الفجر نومك عنها يجعلك ممن استجاب لعدوّ الله إبليس وهو يعقِد على قافِية رأسِك عند نومك ثلاثَ عُقَد، يضرِب على كلِّ عُقدة: عليك ليلٌ طويل فارقد، وحينها تصبح خبيث النفس كسلان، مغضباً للرحمن، ملتحفا بالحرمان، رابحا للخسران، ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ:" ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِيْ أُذُنَيْهِ "، أترضى أيّها الحبيب أن تكون للشيطان أسيراً، وفي رحابه غادياً، مستحوذاً عليك ولك غالباً، صادّاً لك عن سماع الخير والهدى، داعياً لك إلى الهلاك والردى، ليكون مصيرك مصيره؛ جهنم هي المأوى .
      فيا أيّها الحبيب طهّر قلبك، وحاسب نفسك، وابعث جوارحك، وانهض بروحك، مستعيناً بربك، سائلاً منه عوناً ومدداً من عنده يوفّقك به لطاعته، ويعينك على ترك معصيته، ويجنبك غضبه وسخطه، ويعينك وينصرك على عدوّك وعدوّه، وفقنا الله لصراطه المستقيم وطريقه القويم، إنه سميع عليم . 

الخميس، 1 سبتمبر 2011

أخاطب حبك لله


أُخَاطِبُ حُبَّكَ لله


     صلاةُ يقوم إليها المحافظ عليها من لذيذ نومه ووثير فراشِه، تاركاً راحته لأن راحته في وقوفه بين يدي ربّه، شعاره قول حبيبه وقرّة عينه؛ النبي الكريم والرسول العظيم صلى الله عليه وسلم:" أَرِحْنَـا بِهَا يَا بِلَالُ، أَرِحْنَـا بِهَا يَا بِلَالُ "، يهزّه إليها حبُّ الله وجليل رجائه، ويحدوه خوفه من عقابه والرغبة في ثوابه، ويوقظه شكرُه لربّه وعِلمُه بعظيم نعمائه، لا يحرِّكه اتجاهها ويبعثه إليها سِوى طاعةٌ ربّه وابتغاء وجهه سبحانه وجزيل جزائه، وهذا هو عنوان الخير والهدى، وبرهان الدّين والتّقى .
     إنّها صلاة الفجر؛ وكثير هم الذين يضيّعون صلاة الفجر، وكأنها قد سقطت من قواميسهم، أو أنها أمر ثانويٌّ في حياتهم، يصلونها عند طلوع الشمس أو بعد طلوعها، أو لربما بعد انقضاء وقتها بساعات، ومنهم من يقوم بصلاتها قبل الظهر مباشرة، ولا يقضيها آخرون ظنّاً منهم أن وقتها قد خرج فلا تصلّى؛ وهذا من الجهل العظيم والخطأ الجسيم نسأل الله العافية .
     فيامن إذا سئلت: هل تحب الله ؟ أجبت بلا تردّد: نعم، ومن ذا الذي لا يحب الله؟ وحقّ لك لأنك مسلم؛ حبّ الله عليه فرض، لكن اعلم أيّها الحبيب أن للإيمان ذوق وطعم وحلاوة وعذوبة لا يجدها إلا من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فحبّ الله فوق كل حبٍّ، ومراده على كلِّ مراد .
     إن الواحد منّا إذا أحبّ آخر حبّـاً صادقـاً .. أحب لقاءه .. بل تجده يفكـّـر فيه معظم وقته، يعيش معه دقائق عمره وثواني حياته ... وكلما حانت لحظة اللقاء لم يستطع النوم، ولم يتمالك نفسه .. حتى يلاقي حبيبه .. والله تبارك وتعالى أعظم محبوب، وأجل مرغوب، وأكبر مرهوب جلّ في علاه .
    فبالله عليك؛ هذا الذي يتكاسل عن صلاة الفجر ويتهاون في أدائها هل يكون ممّن عَمُر قلبُه بحبّ الله؟ هل هو حقّاً ممّن يعظّمون الله ويريدون لقاءه، ويرجون رحمته ويخافون عذابه ؟ .
     سؤال أترك الجواب عليه لمن أدرك أهميّة الجواب وعِظَم السُّؤال، رزقنا الله حسن المآل .

السبت، 20 أغسطس 2011

بيــان حـول أحـداث ليبيـا


بيــان رابطة العلماء المسلمين حول أحـداث ليبيـا   19/3/1432هـ
نقلا عن موقع المسلم :
رابط البيان : http://almoslim.net/node/141813

بسم الله الرحمن الرحيم

   الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
   فإن رابطة علماء المسلمين تتابع الأحداث الجارية على أرض ليبيا، وإنها لتأسف على دماء المسلمين التي تهدر،  وأرواحهم التي تزهق، بسبب الظلم ووأد الحرية، وإن الرابطة وهي تتابع تلك الأحداث ومن واقع الواجب الملقى عليها تؤكد على ما يأتي:
أولًا: إن المطالبة بتحقيق العدل ورفع الظلم مقصد شرعي، وإن المناداة بتحقيق التنمية ومحاربة التخلف حق إنساني، وإن الإلحاح على شُوريَّة الحكم في البلاد واختيار الشعب من يمثله بصدق أساسٌ من أسس الاستقرار، ولا تمثل تلك المطالبات خروجًا أو مخالفة شرعية، بل ذلك من جنس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانيًا: إن حاكم ليبيا قد حكم عليه العلماء بالردة قبل أكثر من ثلاثين سنة، وعليه فتكون ولايته غير شرعية، ولا يجوز طاعته، وعند القدرة يجوز الخروج عليه، وحكم القصاص واجب لمن قتل مسلما فكيف بمن طاش في دماء المسلمين وقتل منهم المئات، فالواجب على المسلمين دفعه بكل سبيل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم". الفتاوى الكبرى (4/608).
ثالثًا: على رجال الجيش الأمناء أن يقوموا بواجبهم الذي تحملوه بحماية أمتهم، ويصدروا الأوامر بمنع استخدام القوة ضد العزل الشرفاء، وألا يلوثوا أيديهم بدماء الأبرياء، فإن حرمة الدماء عند الله عظيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" لاَ يَزَالُ المُؤْمِنُ فِيْ فُسْحَةٍ مِنْ دِيْنِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ".
رابعًا: على أهل العلم والمصلحين والدعاة القيام بواجباتهم الشرعية والعملية في قيادة أمتهم وتسديد مسيرتها، وتوجيهها نحو أعدل السبل وأقوم الطرق، التي بها يصلح حال البلاد والعباد، متحرين في ذلك رضا ربهم، ومراعين فقه واقعهم، دون حيف أو خوف، أو مراعاة لشرق أو غرب، وندعو الأئمة للدعاء في الصلوات لإخوانهم.
خامسًا: إلى الشعب الليبي العريق، إننا نقف معكم، وخلف مطالبكم، ونرفض كلَّ ظلمٍ واقع عليكم، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بسلمية تلك المطالبات، والحفاظ على الممتلكات، حتى تقطعوا كل طريق على المتربصين بكم، ونذكركم بالتمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وجمع القلوب والائتلاف، والبعد عن الفرقة وأسباب الاختلاف مع لزوم الصبر والثبات والفزع إلى الدعاء حتى يفرج الله تعالى الغُمَّة، ويكشف الكربة، والحرص على إصلاح النوايا فإن هذه النفوس أنفس من أن تزهق لغير الله.
سادسًا: إن الشعب الليبي شعب مسلم أبيٌّ يأنف من الظلم، ويتأبى على الضيم، ولا يصلح بحال أن يكون محكومًا إلا بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفي ذلك تحقيق ما ينشده من  حرية وعدالة وتنمية.
سابعًا: على الجهات الخيرية الإسلامية، المحلية والدولية القيام بواجبها نحو إغاثة الشعب الليبي المسلم، وعلى وسائل الإعلام العربية القيام بدورها في نقل وتصوير هذه المأساة الإنسانية ببشاعتها؛ ليقف العالم على خطورة ما يجري على أرض ليبيا وليقوم كل بواجبه.
   وأخيرًا نذكر بقول الله تعالى:{ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ }[إبراهيم:42]، نسأل الله تعالى أن يلطف بعباده في ليبيا، وأن يرزقهم الثبات، ويربط على قلوبهم، وأن يعجل برفع الظلم عنهم، والحمد لله رب العالمين.

رابطة علماء المسلمين

بيــان بشأن أحـداث اليمـن


بيان رابطة العلماء المسلمين بشأن أحداث اليمن 24/4/1432هـ  
نقلا عن موقع المسلم 
رابط البيان: http://almoslim.net/node/143826
بسم الله الرحمن الرحيم
   الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
   فإن رابطة علماء المسلمين لتستنكر ما يحصل في دولة اليمن من إراقة الدم الحرام وإزهاق الارواح البريئة ومن  واقع الواجب الملقى عليها تؤكد على ما يأتي:
أولًا: إن المطالبة بتحقيق العدل ورفع الظلم مقصد شرعي، قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ }، وقال:{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ }.
   وإن المناداة بتحقيق التنمية ومحاربة التخلف حق مقصود شرعا وعقلا، وإن الإلحاح على شُوريَّة الحكم في البلاد واختيار الشعب من يمثله بناءً على الأصول الشرعية, أساسٌ من أسس الاستقرار، ولا تمثل تلك المطالبات خروجًا أو مخالفة شرعية، بل ذلك من جنس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبخاصة أن النظام يسمح لهم بذلك.
ثانيًا: إن النظام اليمني يتحمل ما جرى ويجري من إراقة الدماء في تلك المجزرة الوحشية التي ارتكبت في حق المعتصمين والمتظاهرين لا سيما وأن النظام يكفل لهم حق التظاهر وحق الاعتصام وحق الحماية من قبل الدولة .
ثالثًا: على رجال الجيش والأمن أن يقوموا بواجبهم الذي تحملوه بحماية أمتهم، ويصدروا الأوامر بمنع استخدام القوة ضد المواطنين العزل، وألا يلوثوا أيديهم بدماء الأبرياء، فإن حرمة الدماء عند الله عظيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" لاَ يَزَالُ المُؤْمِنُ فِيْ فُسْحَةٍ مِنْ دِيْنِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا "[رواه البخاري/6862].
رابعًا: على أهل العلم والمصلحين والدعاة القيام بواجباتهم الشرعية والعملية في قيادة أمتهم وتسديد مسيرتها، وتوجيهها نحو أعدل السبل وأقوم الطرق، التي بها يصلح حال البلاد والعباد، متحرين في ذلك رضا ربهم، ومراعين فقه واقعهم، دون حيف أو خوف، أو ولاءٍ لشرق أو غرب، ونوصي الأئمة بالدعاء في الصلوات لإخوانهم.
خامسًا: على قبائل اليمن الأبية, وبما تمثله من دور بارز لدى الشعب اليمني, الانتصار لهؤلاء المعتصمين والمتظاهرين فيما يتعلق بالمطالب المشروعة التي كفلها لهم الشرع, والابتعاد عن حمل السلاح في المظاهرات والاعتصامات مع التحلي بالصبر وضبط النفس في التعامل مع الأحداث المؤسفة.
سادسًا: على أحزاب اليمن أن تقدم مصلحة الشعب المشروعة فوق أي مصلحة ضيقة, فإن مصلحة البلد مصلحة للجميع, والمصالح الجاهلية والفئوية دمار على الجميع.
سابعًا: على الشعب اليمني اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى في هذه الضائقة, وضبط النفس والتحلي بالصبر وأن تكون مطالبهم فيما يحقق تحكيم شرع الله والالتزام بالكتاب والسنة, والمطالبة بالحقوق المشروعة والبعد عن المطالب الحزبية والفئوية, أو ما يؤدي إلى تفرق الشعب واختلافه حتى يقطعوا الطريق على من يريد بهم السوء فكلما كنتم أقرب من الله كنتم أقرب إلى الفرج.
ثامنًا: الحرص على وحدة اليمن والحذر ممن يريد استغلال الأحداث لتفتيته وتقسيمه إلى عدة دول, مع التيقظ لاستغلال الرافضة لهذه الأحداث ممثلة في الحوثيين, فهم أشد خطرًا على الشعب اليمني مما يعاني منه.
   وأخيرًا نذكر بقول الله تعالى:{  وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ }[إبراهيم:42]، نسأل الله تعالى أن يلطف بعباده في اليمن وسائر بلاد المسلمين، وأن يرزقهم الثبات، ويربط على قلوبهم، وأن يعجل برفع الظلم عنهم، وأن يوفقهم لتحكيم كتابه واتباع سنة نبيه, والحمد لله رب العالمين.

  رئيس الرابطة                          الأمين العام للرابطة
الشيخ /الأمين الحاج                    د. ناصر بن سليمان العمر

الثلاثاء، 2 أغسطس 2011

شَـهْـرُ القُـرْآنِ




    رمضان هذا الشهر الحبيب إلى القلوب له ميزات عظيمة وخصائص كريمة ميّز وخُصّ بها دون غيره من الشهور، ومن أعظم ميزاته، وأجل خصائصه أنه شهر القرآن، فيا مَـنْ هجرت القرآن قراءة وتدبراً، تذكُّراً وفهماً، تداوياً واستشفاء، حفظاً وعملاً حتى أصبح القرآن في حياتك نسياً منسياً، حريٌّ بك أن يكون هذا الشهر الكريم شهر القرآن باعثـاً لهمّتك، وموقظاً لك من غفلتك، فتصحو وتكون منه نقطة البداية للتغيير، فتخصص لنفسك وقتا تحافظ فيه على قراءة ورد من القرآن، لا تنفك عنه بأيّ حـال من الأحوال، ولو كان الورد يسيراً، ففي الحديث المتفق على صحته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ "، وقليل دائم خير من كثير منقطع . 

    أيها القارئ الكريم إنه لمن العيب والنقص في الإيمان أن يكون للإنسان اهتمام بكـلام المخلـوقين، وينسى كـلام خالقـه سبحانه؛ القرآن الكريم الذي بتـلاوته ينـال الدرجات العلى ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قـال:" مَنْ قَرَأ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا، لاَ أقول: ألم حَرفٌ، وَلكِنْ: ألِفٌ حَرْفٌ، وَلاَمٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ " رواه الترمذي وصححه الألباني . أيّها القارئ الكريم إنّك في رمضان شهر القرآن، وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ " رواه أحمد في المسند، وصححه الألباني في صحيح الجامع .

    فحافظ أيّها القارئ الكريم على قراءة ورد من القرآن الكريم لتنال الرفعة في الدنيا والآخرة، ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه:" إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ " فعش مع القرآن تـلاوةً وإنصاتـاً، تـدبّـراً وتذكّـراً، تفسيراً وفهمًا، علماً وعمـلًا، حكمـاً وتحاكمـاً تدوياً واستشفاءً، ولتكن نقطة البداية من شهر القرآن:{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ }[البقرة:185] .


      وفقنا الله لما فيه رضاه وأعاننا على العمل بكتابه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضاه جلّ في علاه .

الثلاثاء، 12 يوليو 2011

ليلة النصف من شعبان


لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان

      إن الأيام والشهور إنما تتفاضل بما فيها من الأعمال الصالحة، والسعيد من عمر تلك الأيام والساعات بما فيه رضى رب الأرض والسماوات، وها هو ذا شهر شعبان الذي تشعبت فيه الخيرات، فكان من أحب الشهور إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا أكثر من شعبان كما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها، والحكمة من ذلك ما صح بيانه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند من حديث اسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيْهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ العَالَمِيْنَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِيْ وَأَنَا صَائِمٌ " .

     إن شهر شعبان قد تصرمت أيامه وها هي ذي أفضل ليلة فيه ألا وهي ليلة النصف من شعبان، التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ اللهَ لَيَطَّلِعُ فِيْ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيْعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ " رواه ابن ماجة وحسنه الألباني.


     فيا أيها الحبيب إياك إياك من عمل يكون سببا في حرمانك من مغفرة الله سبحانه لك، فالحذر الحذر من الشرك جليه وخفيه، كبيره وصغيره، والحذر الحذر من الشحناء والبغضاء التي تفسد القلوب وتورث النفوس السوء، والطوية خبثا، وليكن حالك حال من يقول:

سَألْزِمُ نَفْسِي الصَّفْحَ عَنْ كُلِّ مُذنِبِ*** وَإِنْ كثُـرَتْ منـه إِلـيَّ الجَـرائمُ

فـمَا الـنَّـاسُ إِلَّا وَاحِـدٌ مِـنْ ثَـلاثَـةٍ*** شَرِيفٍ ومَشْرُوفٍ ومِثلٍ مُقـاومُ

فـأمَّا الَّذِي فَـوقِـي فَـأعرِفُ قَـدرَهُ*** وَأتـبَـعُ فـيهِ الحـقَّ والحـقُّ لازمُ

وأمـّا الَّـذِي دُونِي فَـأحـلُمُ دَائِبــاً*** أصُونُ بِهِ عِرضِـي وَإِنْ لَامَ لَائِـمُ

وأمَّـا الَّـذِي مِثْلِي فإن زلّ أو هَفَـا*** تفضّلتُ إنَّ الفضلَ بِالفَخْرِ حَاكمُ

       اللهم بـــارك لنـــا في شعبـــان وبلغنــا رمضـــان .

الثلاثاء، 5 يوليو 2011

الأَفْعَـالُ النَّبَوِيَّةُ مِنْ حَيثُ الاتَّباعِ وَالتَّأسِّيْ


الأَفْعَـالُ النَّبَـوِيَّةُ مِنْ حَيثُ الاتَّبـاعِ وَالتَّـأَسِّيْ 

     تنقسم أفعـال النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الاتبـاع والتـّأسّي إلى ثــلاثة أقسـام هي:

1- الأفعـال الجبلِّيَّـة:

     كالقيـام والقعـود والشرب والنوم وغير ذلك، وهي نوعان من جهة التأسي والإتباع:

& نوع جاء النص الخارج عن الفعل بإيجابه أو ندبه، كالأكل باليمين، والشرب ثلاثاً وقاعداً، والنوم على الشق الأيمن فهذا يشرع التأسي والاقتداء به صلى الله عليه وسلم في ذلك .

& نوع لم يأت نص دال على مشروعيته، وهو باق على الأصل من حيث الإباحة للجميع؛ وذلك لأن الأوصاف التي يطبع عليها الإنسان كالشهوة إلى الطعام والشراب لا يطلب برفعها ولا بإزالة ما غرز في الجبلة منها [ الموافقات للشاطبي ] . وهذا النوع محل خلاف بين أهل العلم في مشروعية التأسي والاقتداء به صلى الله عليه وسلم فيه على جهة الندب على قولين:

الأول:- أن التأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا النوع مندوب، وقد كان ابن عمر رضي الله عنه يفعل مثل ذلك، وإن كان قد فعله  صلى الله عليه وسلم اتفاقاً ولم يقصده .

الثاني:- أنه لا يشرع التأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول وفعل جمهور الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ومنهم على وجه الخصوص عمر الفاروق وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما .

     ويلحق بالأفعال الجبلية الأفعال التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى العرف والعادة كلبس الجبة والعمامة، وإطالة الشعر، ونحو ذلك، إذ لا تدل على غير الإباحة إلا إذا ورد دليل على مشروعيتها [أفعال النبي صلى الله عليه وسلم للأشقر] .

2- الأفعال التي علم أنها من خصائصه صلى الله عليه وسلم:

    ذكر أهل العلم في باب خصائصه صلى الله عليه وسلم أموراً من المباحات والواجبات والمحرّمات، بعضها متفق على حكمه بالنسبة له صلى الله عليه وسلم وبعضها الآخر فيه خلاف، فمن المباح له: الزيادة على أربع نسوة في النكاح، والنكاح بلا مهر، ونكاح الموهوبة. ومن الواجب عليه: وجوب التهجد وقيام الليل. ومن المحرّم عليه: الأكل من الصدقة، وأكل ذي الرائحة الخبيثة كالثوم والبصل.

    فهذه خصائص لا يشاركه فيها أحد ولا يُقتدَى ويتأسى به فيها [الأحكام للآمدي]؛ قال الشوكاني رحمه الله: والحق أنه لا يُقتدَى به صلى الله عليه وسلم فيما صرّح لنا بأنه خاص به كائناً ما كان إلا بشرع يخصنا [إرشاد الفحول].

    ويلحق بهذا ويرجع إليه ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه دون بعض؛ كشهادة خزيمة، وأضحية أبي بردة [الموافقات للشاطبي]، كما يلحق به ما خص به صلى الله عليه وسلم أهل بيته كالمنع من أكل الصدقة.

3- الأفعال التعبدية :

     وهي الأفعال غير الجبلية وغير الخاصة التي يقصد بها التشريع، فهذه مطلوب الاقتداء والتأسي به صلى الله عليه وسلم فيها، وهي الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }[الأحزاب: 21] إلا أن صفتها الشرعية تختلف من حيث الإيجاب أو الندب بحسب القرائن، والله تعالى أعلم.